
دار، ومازال يدور نقاش حاد بين المذاهب حول معنى الضحك الإلهي الذي ورد في بعض الأحاديث. يصر أهل الحديث والسلفية على أن معنى الضحك يؤخذ كما هو، صفة ثبوتية لا يمكن تأويلها، ولا يمكن شرح أبعادها، القاعدة البكريّة صارمة في هذا الشأن (كل ما خطر ببالك، فالله بخلاف ذلك) اقبلها كما هي. حتى في بعض تفسيراتهم، فسروها بالتعجب، أي أن الله يتعجب، لكنها وردت في لفظ الضحك. هذا ليس تأويلاً، ولكن لأن الحديث ورد بلفظين مختلفين. الأشاعرة كالماتريدية، إن لم يفوضوا، يؤولون كثيراً في الصفات، للتنزيه، ولإبعاد أي تشبيهات وثنية بشرية. فالضحك في تأويلهم -لو ثبت- يعني الرحمة، يقرنون بين الرحمة والضحك، من ضحك فهو يرحم. لم يتحدث أحد عن صفة الضحك وهل هي صفة معنوية، وهل صفتها حادثة صلوحيّاً أو تنجيزيّاً، هذا مبحث طويل، وغير مهم في هذا السياق، لكن هناك جذر إلهي لمفهوم الضحك في عقيدة المسلمين.

لمحدودية عقله، يربط الإنسان دومًا بين الإلهي والبشري، وخصوصًا في الصفات الفعلية. الهنادكة عمليون، ويخصصون إلهاً لكل شيء، الآلهة لديهم تُنتج بكميات ضخمة تكفي الجميع، وهم يؤمنون بالإله غانيشا؛ إله الضحك، بشري يجلس بوقار وله رأس فيل، هل كانوا يظنون أن صوت الفيل ضحِك؟ كما يظن الناس إلى الآن أن الضباع تضحك. لا أحد يعرف جذور هذا المعتقد، لكن الثابت أن الضحك له حضور قوي في معظم العقائد والفلسفات.
الطاوية والكونفوشيوسية تميل للتجهم وتقطيب الجبين، لا تتحدث عن الضحك، ولا تفلسفه، مشغولة بالطريق والمشي فيه، الأولى تحاول إصلاح الفرد، والثانية مشغولة بالأمراء والمجتمع. مع أن لاو زو -مؤسس الطاوية- كان ميالاً للرد بالسؤال على أي سؤال، حتى يبعث الجواب بتغليب مَلكَة التساؤل، فعلها سقراط بعده بعدة قرون، لكن على عكس سقراط، كان يغلب على لاو زو السخرية من أسئلة المستفتين، لكنه لم يؤسس اتجاهًا يعتبر فيه السخرية والضحك كأسلوب فلسفي لتقييم السؤال والجواب المعرفي.
ربما فسّر بعضهم الضحك بأنه نوع من الازدراء كما فعل أرسطو حين وافق أستاذه أفلاطون. دائمًا هناك ذلك التخوف من الضحك لدى من يعتبرون أنفسهم نخبًا ثقافية وعلمية، يحاولون توسيع المسافة بين الضحك وبين الجمهور. في رواية اسم الوردة لإمبرتو إيكو، تحدث جرائم بشعة ومنظمة لرهبان دير معزول في شمال إيطاليا للحفاظ على سر رهيب، السر هذا هو منع أي محاولة وصول للكتاب الثاني لأرسطو، الذي يناقش فيه عدة أشياء، منها فلسفة الضحك.

هذا الجو الكنسي المقبض والخانق، جعل دانتي اليقيري يتعمد بجعل قصائده المئة، الجحيم والمطهر والفردوس، أن تكون كوميديا الإله. تعود الناس على التراجيديا والحزن والكآبة في نهاية كل رحلة، لكن رحلته مع محبوبته ختمها بالسعادة، ربط دانتي السعادة بالكوميديا، الكوميديا المرتبطة في الوجدان بالضحك.
كان الربط بين التجهم، وادعاء الفوقية والنخبوية واضحًا في عزل مفهوم الضحك، وتجريمه وتبشيعه. هذا المفهوم ليس مسيحيّاً خالصًا كما في الرواية، والتي حوّلت لفيلم يحمل ذات الاسم عام 1986م من بطولة شون كونري وإف موراي إبراهام. المسلمون يؤمنون في ثقافتهم الدينية، بلا دليل، أن الضحك يميت القلب، وأن كثرة الضحك تجعل قلبك قاسيًا لا يستقبل المواعظ بطريقة رحِبة.
هناك مفهوم للضحك يجعله سلاحًا، لذا هو يُجرّم من أي سلطة مهما كانت صغيرة، انظر لوجه الأب الذي يوبخ أبناءه، ثم يضحك أحدهم في حضوره، هذا الابن سينال صفعة على ضحكته هذه، ضحكته هذه تدل على التمرد، والاستخفاف كما قال أفلاطون. الأحنف كما نقل ابن خلّكان في وفيات الأعيان، يحتقر الضحك ويقرنه بالاهتمام بالأكل والفرج، وأنه مُذهِب للهيبة والرزانة. هناك ذلك التردد بين مدح الضحك، باعتباره صفة إلهية مؤولة، وباعتباره صفة بشرية يمارسها حتى الأنبياء. أحاديث ضحك الرسول الخاتم حتى تبدو نواجذه كثيرة، لكنها محاولة احتكارية لتقنين الضحك، ومنعه قدر الإمكان. من يضحك كثيراً، هو شخص لا يمكن سحبه للاهتمام بأي شيء تحاول فرضه عليه، سيتعبك.
أبو عاصم النبيل، المشهور تاريخيّاً بالضحّاك، وهو المحدِّث، عُرف عنه المزاح والضحك. الضحّاك بن مزاحم، المفسِّر، سرت عليه خرافات أنه مكث في بطن أمه ثلاث سنوات، وحين ولدته خرج وهو يضحك وله أسنان. لكن هذه الاقترانات بالضحك جيّرت للأعيان، ولم يقع فيهم طعن. حتى عصْرِيُّهم الشعبي، الفقيه والمحدث، كان مشهوراً بالنكتة وبكثرة تعليقاته الظريفة. صنّف ابن الجوزي كتابًا كاملاً في أخبار الحمقى، مصنف كامل لا غاية منه إلا الضحك ورسم الابتسامة. في كتاب الأغاني للأصفهاني، ومُلحقه لابن منظور، تجد قصصًا كثيرة عن الخلفاء العباسيين الذين يضحكون بشدة، ويحبون الضحك، يوجد وصف جسدي كامل لكيفية ضحكهم واهتزاز أقدامهم وكروشهم. السادة يضحكون، ويُنعتون بالضحك، وحُق لهم ذلك. لكن العوام، حسب تصنيفهم الطبقي، أمرهم مختلف.

كان ينظر تاريخيّاً لأصحاب النكتة من عوام الناس باعتبارهم مهرجين، ومن السُوقة، لا يمكن أخذهم بجدية، أخذهم بجدية يعني أن تصنع سلاحًا ضدك. يُحارب الضحك على كل المستويات الدنيا، والحرب على الضحك هي حرب بالوراثة، وجدنا آباءنا يحتقرون الضحك، لذا فنحن نحتقره كذلك. لكن ماذا تفعل؟ ماذا تصنع بهذه الرغبة الرهيبة للضحك والسعادة؟ تمارسها بالسر، تمارسها بالرموز، ومن هنا جاءت النكتة.
النكتة تطورت زمانيّاً، وأخذت كل أشكال التعبير، عرف العرب الردود المفحمة، والتي تسرق ابتسامتك ويقصد بها إضحاك الناس عليك وإهانتك، تأكيد آخر أن الضحك من صور الازدراء. في أشعار العرب توجد توصيفات كثيرة، تظهر بشكل جاد، لكنها مضحكة في جوهرها لغرابتها، كالذي قال لهم اطبخوا لي جبة وعمامة. مع التطور السياسي، صار هناك القصاصون الذين يروون القصة والنكتة، وتحضر في مجالسهم المنادمة، وهم مختلفون تمامًا عن الوعّاظ الذين كانوا يغْشَون مجالس الولاة، كلهم يبحث عن المال والوجاهة، لكن أحدهم محترم تاريخيّاً، والآخر مُحتقر بلا سبب.

في فن السينما، كان الضحك أول مادة تقدم للناس، لا تريد للناس أن يخرجوا من بيوتهم، ويتركوا أعمالهم، ويأتون لك لتريهم بشراً مكتئبين مثلهم على شاشة كبيرة. لذا حضر الفيلم الفرنسي رش البستاني، أُنتج عام 1895م، فيلم قصير لمدة دقيقة عن صبي مشاغب يعاكس بستانيّاً. حتى مع تطور صناعة السينما، كانت الرموز كلها تقريبًا كوميدية تهدف للضحك، رموز مثل البريطانيين تشارلي تشابلن وبيتر سيليرز. وفي الولايات المتحدة حضر الأخوة هوارد مع صديقهم لاري فاين، الذين قدموا سلسلة المخابيل الثلاثة، والتي يعرفها كل سعودي تربى على القناة الثانية قديمًا.
لكن لعنة الضحك تطارد الجميع. معظم ممثلي الكوميديا، يتجهون في وقت ما للجدية وللدراما، شيء ما في سلوكهم يريدون أن يقولوه، نحن جادون، صحيح نحن نضْحَك ونُضحِك، لكننا جادون. ستجد معظمهم يحاول الخروج من عباءة الكوميديا، وإبراز نفسه دراميّاً بشكل جاد، بالرغم من أن سينما الكوميديا تعتبر دراما، خصوصًا في أوضح صورها؛ الكوميديا السوداء، والتي تميز بها البريطانيون بلا منافس. لكن من حاولوا الاتجاه للدراما الجادة يشعرونك أنهم يزيلون لطخة التصقت بهم، مازالت عقلية اتهام الضحك والإضحاك تحرك الفنان.

حتى مع تطور الضحك في صناعة السينما العالمية، لم يتوقف الناس عن الضحك خارج قاعات السينما، ومن أمام شاشات التلفاز. هذا التطور جاء مع دخول وسائل التواصل، وشيوع التطبيقات على الجوالات. جاء هذا التطور مع النكتة المرئية، والتي تشتهر بمصطلح ميم meme.
أول من جاء بفكرة الميمز هم مجموعة منشقة عن الصين الشعبية، وأنشأت موقعًا اسمه تسع ضحكات (9gag) يديرونه من هونج كونج، والآن انتقلوا للولايات المتحدة. كان الموقع، الذي تحول لاحقًا لتطبيق، يعتمد على تسعة صيغ، وهي صيغ مرسومة تمثل ملامحًا لمواقف محددة، غضب، تعجّب، ضحك، تحدي الخ. مع انتشاره وكثافة زواره، صارت التعليقات بدلاً أن تُكتب على الصور المرسومة، صارت تُكتب على صور من أفلام معروفة، أو على وجوه أيقونية نالت شهرة. أحيانًا تُستجلب الضحكة من الموقف نفسه بدون تعديل على المحتوى الأصلي لموافقته للموقف الحالي، وأحيانًا تُكتب عبارات ونُكت جديدة على ذات الصورة.
يتميز موقع 9gag بمجتمعه المتعدد من كل الجنسيات، ولأن الكتابة فيه تعتمد غالبًا على الأسماء المستعارة، فهو مجتمع يتحدث بلا قيود، يضحك على أي شيء يمكن تخيله. الموقع مليء بكل ما يتم تخيله من نكت وضحكات على مواقف عنصرية عرقية، وتجديف ديني، وسخرية سياسية، وتعليقات على أطفال. أُوقِف المحتوى الجنسي الإباحي داخله فقط لمخالفته شروط تطبيقات شركة أبل، لكن الموقع صنع ثورة حقيقية في فضاء الضحك الافتراضي، وقدّم للعالم النكتة المكتوبة وخلفها صورة تبيّن الموقف.
الموقع مخترق استخباراتيّاً، ويمكن ملاحظة ذلك حتى للأعمى، يُرى ذلك من خلال المواقف السياسية العالمية، حين يتم إغراقه فجأة بميمز سياسية غير موضوعية، وتُحذف أي ميمز تخالف التوجه العام. حرب أوكرانيا مقدسة، وقوات إيزوف النازية منزهة، دعم واضح لمظاهرات هونج كونج، الدعاية اليسارية الأمريكية حاضرة وتفرض بقوة بالرغم من كراهية المجتمع المنغلق هناك للشعب الأمريكي. يُمارس في هذا المجتمع الاغتيال المعنوي المكثف للعديد من الشخصيات السياسية العالمية.
تعرض الموقع لسرقة محتواه كالعادة، وقُدِّم في العالم العربي على استحياء. الميمز العربية خجولة وغير مبتكرة، كلها تقليد كئيب يخلو من أي نكتة أصلية، تدوير لذات الميم لدرجة الزهق، حتى لو ضحكت على أي ميم عربية فأنت تضحك على نسخة. لكن الميمز العربية تستطيع إضحاكك في اقتباسها لمواقف عاطفية واجتماعية، لا يفهمها إلا العقل العربي.
في عالمنا العربي، دخل الضحك في الفن وفي الأدب. في الأفلام الكوميدية والتي تميزت بها مصر عن باقي الدول العربية، النكتة المصرية عابرة للحدود، للطافة لهجتها، ولقوة تعبيرها بأقل العبارات. كانت تُخلق المواقف في الأفلام من قِبل كُتاب أدباء وصُنّاع نكتة، وتُقدم للجمهور على ملامح ممثلين محترفين، لكن النكتة لم تتجاوز مصر، محاولات بسيطة ومحدودة في سوريا، في دول الجزيرة العربية والسعودية تحديداً، كان ولازال الفن الكوميدي الذي يفترض أنه سينتزع منك الضحكة؛ باهتاً، لا نص، ولا نكتة محلية، ولا ملامح أدائية تشفع لكل هذا السقم. سيتذكر الجميع بعض الأعمال، وبعض الأسماء التي يغلب عليها القِدم، وما يمكن تذكره لِقلّتِه، لا يمكن تعميم تجربته. تجربة الفن المضحك في السعودية غير موجودة، الموجود والذي يحظى فعلاً بالمتابعة، هي الجهود الفردية التي يقوم بها بعض العيّارين.
العيّارين، فئة يغلب عليهم النصب مع قدرة مذهلة على إضحاكك. العيّار هو شخص يقرأ الموقف بطريقة لا يراها أحد غيره، فنان في نظرته، وفنان في التعبير عنها. عُرف العيارين بهذا المصطلح في نجد، تجد في جعبة كل واحد منهم مواقف كثيرة له ولغيره، يضيف للواحد في المئة سبعون ألف في المئة من بهارات التوصيف والتعليق. يستطيع العيّار أن يتحدث ساعة كاملة بلا انقطاع ليستطرد في حكاية موقف واحد، العيارين سبقوا الستانداب كوميدي بعقود، هم يقفون على نفس الأرضية، لكن العيّار بيئته محلية صِرفة. يغلب على نكاتهم الطابع الجنسي الفاحش، الذي يجعلك تضحك بشدة دون أن يحرك فيك رغبة واحدة، لكنها كوميديا الموقف، كوميديا الوصف، نزع الضحكة من موقف معتاد وتحويله لنكتة، بالإضافة للتوصيفات الظاهرية لأشكال الناس، والسخرية منها، من حضر مجالسهم الخاصة يعرف عن ماذا أتحدث بالضبط.
لا يستطيع العيّار تذكر شخص ما دون أن ينبزه بلقبه أو عيارته. كان العيارون معرفون، وهم قلة في مجتمعاتهم المحدودة، لذا تجدهم لا يتحدثون في النكتة السياسية أبداً. العيارون فئة بدأت تنقرض محليًا، من لديه موهبة العيارة صار يتحدث بلغة عمومية أكثر، لم يعد يتميزون بأشكال ومجالس محددة، العولمة ابتلعت هذا الفن المحلي.

كان آخر معقل إليكتروني للعيارين في السعودية؛ منتديات شبكة الإقلاع. كانت الشبكة تمثل، ولمدة حوالي عشرين سنة، فترة انتقالية ما بين عيارة المجالس الخاصة، وتوظيف النكتة والضحكة في عالم وسائل التواصل اليوم. كانت شبكة بسيطة في بدايتها، بدأت في عام 1999م، تهتم بالنكتة والضحكة فقط. لكن مع تطور منتديات الإنترنت، وتقدم سن كُتّابها المخضرمين، وانشغالهم، صارت شبكة الإقلاع محافظة أكثر، وصارت مقصداً للأخبار، والمسلسلات التلفزيونية، وعوالم التقنية، مع وجود عالم متكامل للمرأة الحامل. بقي قسم واحد يهتم بالعيارين وقصصهم، لكن أصابه ما أصاب النكتة السعودية الخاصة، الترهل والاضمحلال. لم يعد أحد يهتم بالنكتة المحلية، تعولمت الضحكة، توسعت مدارك الاطلاع للناس الذين يستخدمون الإنترنت، وصارت المنتديات، وبعدها وسائل التواصل فضاءً لا يكتفي بالنكتة فقط، لكن تجربة منتديات الإقلاع كانت نموذجًا للضحكة السعودية، حيث يضحك الجميع بمختلف لهجاتهم، وتعليقاتهم على بعضهم. لكن تظل النكتة والضحكة تهمة، لذا كان الجميع، بما فيهم مُلاّك الشبكة الذين ينتمون لأسر كريمة ونبيلة، يتسترون خلف أسماء مستعارة رغم حميمية الشبكة ومحافظتها. لكن بما أن سمة الشبكة هو الضحك والعيارة، فهذا يجعل كل منتم لها متهمًا بشكل ما، كثيرون تسربوا من شبكة الإقلاع بعد أن عُرفت أسماؤهم، بالرغم من أن محتواهم كان بريئًا تمامًا.
تأتي الضحكة مرات لتبديد موقف سياسي اجتماعي محتقن، سواءً كان محليًا أو عالميًا. وعلى طريقة الأوميرتا الإيطالية -سياسة الصمت- مارس العرب كغيرهم النكتة الرمزية، يتحدثون في نكتة عن موقف اجتماعي محدد، الهدف الظاهر هو الضحك، وأنت تضحك فعلاً، لكن النكتة تدعوك للتساؤل. وتلعب دوراً مهمًا للتنفيس والتعبير غير الصريح عما يجول بخاطر الناس. مارس المصريون هذا الفن ببراعة، وكل المجتمعات مارست هذا النوع من الضحكة. هناك قاعدة غير مكتوبة، ولكن يصدقها الواقع، بأن أكثر النكات انتشاراً وإضحاكًا، هي النكت ذات الطابع السياسي أو الجنسي. لا يشترط فيهما الابتذال، ولكن يكفي فيهما الإيحاء والرسالة، قاعدة مفهومة، باعتبار هذين الأمرين من أكثر الأشياء كبتاً في وعي الناس.
في مجتمع، كالمجتمع السعودي الذي يعيش في قارة، عرف الناس الضحكة على أحوال غيرهم، ظهرت النكتة المناطقية، كل منطقة تحتفظ بكمية من النكات عن منطقة أخرى. لم تصنع هذه الضحكات حزازيّات ما، بل على العكس، كان الناس يتبادلونها ويقرؤونها عن بعضهم. بعض الفئات المجتمعية أخذوا نصيبهم من الضحك عليهم، ظهرت النكتة على المحششين، وعلى المحافظين.
هل يمكن اعتبار النكتة، والتي هي مرادفة للضحك، عنصراً أمنيّاً يستهدف تماسكًا اجتماعيّاً ما؟ برأيي نعم.
يتذكر الجميع بعض النكات التي كان يُقصد منها تحقير المحلي، وتعظيم الأجنبي؛ في كل شيء. الأكل، الذوق، الشكل الخِلقي، الحياة الزوجية، مقارنة العبارات والألفاظ، عناصر كثيرة كانت تستخدم النكتة والضحكة ليس لتمرير موقف اجتماعي موحد، بل كانت صريحة في الازدراء والتحقير، تشعر أن من يضحك عليها ماسوشيٌ يتلذذ بالشتم، كانت نشطة جداً في فترات رسائل الجوال، لكنها مع انتشار منتديات الإنترنت ومن ثم شبكات التواصل، وتوسع دوائر الاتصال، خَفَت وهجها. انتقل الهجوم على المجتمع ليكون بلغة مختلفة ليس هذا المقال مكانّاً لها.
ويظل الضحك سراً إنسانيّاً لا يشاركه أحد فيه. الجاحظ في كتابه البخلاء، بعقليته الاعتزالية، التقط بنباهة تلميحاً ذكيّاً لآية (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) فوصف المقابلة اللفظية أن الضحك اقترن بالحياة، والبكاء بالموت، ولو ثبت حديث الضحك، فإن الأعرابي أيضاً أكد على هذا المفهوم، وعلق بقوله لا نعدم من رب يضحك خيراً.
حجم المقال لا يكفي للحديث عن الفروق بين ضحك السخرية، والاستهزاء، وتصوير موقف كل نوع منهم. تجنبت بقصد الحديث عن أسباب بروز الرجال دون النساء في صنع الضحكة وتدوير النكتة وتحليل ذلك، لأن هذه تحتاج لمبحث لا يقل عن مذكرة، وليس مقالاً.
على أي حال، مازال الضحك مؤثّماً في نظر المجتمع العربي. يحمل عقدة الذنب الدينية، والعيب الاجتماعي. يوصف كثيراً الذي يضحك أن فيه خفة عقل، لكن هذا التأثيم، كغيره من السلوكيات، يتم نقدها في الفضاء المفتوح وفي اجتماع الناس ببعضها، لكن الناس في مجالسها الصغيرة والحميمة يضحكون بلا توقف، لأنهم يريدون أن يحيوا، وأن يبصقوا في وجه الحياة القاسية والمنافقة.
ا.هـ

