التماهي مع أبو شنب

على رف مكتبة أو معرض، ترى ذلك الكتاب (مفاهمات التلازمات في كل الأزمنة) كتاب منمق، وله طابع ابن الحمولة المحترم، وزنه يشي بأن كتابته أخذت دهراً، لا شك بأن الكاتب المغمور لف دور النشر يترجاهم التبنّي لابنه، أرجوكم، هو طيّع وهيّن ويسمع الكلام، فقط تبنوه بُغية الأجر، لا أحد يلتفت له، يتنازل عن أبوته، ويعامله معاملة العبد، يمسك عبده وهو يضرب ردفه ويقول أنظر لها، لا تهتز، مشدودة كوتر العود، هذا عبد نشيط خُلق للعمل، يفتح أسنانه، بيضاء ناصعة، صحته جيدة. يتأمل صاحب الدار في عبد الكاتب الذي مُسخ على شكل أوراق مُغلفة بطريقة السلك، التي تدل على البساطة والفقر.

يتفقان على شروط وضعها كاملة صاحب الدار طبعًا، ويوقع صاحب الكتاب، هذا عمل حياته، هذه نتيجة قراءات، وأبحاث، ومساجلات مجالس، تم تفريغها كاملة في هذا الكتاب. عقدة حياته بعد رفض الجامعة أن يُدرِّس بها، فرّغها في هذا العمل، سيندمون حين يقرؤون لي، سيترجون عودتي لهم، لن أرفض، لكني لن أوافق بسهولة العاهرات. بالنسبة له هي جوهرة الكوهينور التي تُجمِّل حياته، لا يريد مالاً، يريد لفكرته أن تحيا، أن يُخلّد ذكره، طموح بريء يمارسه الجميع بلا انقطاع.

تأخذ هذا الكتاب من الرف، تتصفحه بسرعة، يشدك مقطع أو مقطعان، تُحضر كرسيّاً وتجلس، تقرأ فصلاً انشددت لعنوانه، كلامه فيه سطحية، وأفكاره ليست بذات العمق التي توحي بها كلماته، تقلب الصفحات وتذهب لفصل آخر، تريد أن تكون الخمسون ريالاً في موضعها الحقيقي، نحن نحافظ على منع التضخم بقدراتنا الفردية المحدودة، ونساهم ولو بالقليل، لن نشتري كل كتاب. تعطي الكتاب فرصة أخيرة بأن تذهب لفصل عشوائي تقرأ منه ثلاث صفحات متتالية، لكنك فعلاً لا تشعر بذلك الحماس.

تُرجع الكتاب للرف أو طاولة المعرض وأنت تنظر لساعتك، أمامي ساعة كاملة لأبحث عن عنوان آخر، هكذا بكل بساطة، رأيت بضاعة، نعم بضاعة، لم تعجبك فتخليت عنها بكل سهولة. أنت زبون يبحث عن شيء ما يخصه، يلفت انتباهًا، يُشبع احتياجًا، طالما دخل الكتاب والمعلومة حيز المبادلة المالية فهو بضاعة لا يختلف كثيراً عن اكسسوارات الجوالات، سكوليستك وبيارسون دور نشر تطرح أسهمها في البورصة، ويُضارب فيها الأُميّون.

لكن عجبك لا ينقضي، دهشتك ترجع جذعة بعد شهر، حين تقرأ مصادفة في منشور يومي مختص بالهراء الأدبي، تجد ذلك العنوان الاتهامي الذي يجعلك تتوقع بأن من كتبه يعمل في النيابة العامة (مفاهمات التلازمات في كل الأزمنة – حين يكتب الجهلة ويقرأ لهم الأجهلون – بقلم محرر زاوية سياط أدبية: أبو شنب).

تقرأ المقال الذي يوحي لك بأن كاتبه لا يكتب إلا بعد مشاجراته مع زوجته، نَفَس نكدي، وعبارات تتعمد الجرح، وإسقاطاته على زوجته جعلها في سمعة كاتب الكتاب الذي لا شك أنه الآن يمر بشعور المفضوح بلا سبب، الجامعة حتمًا لن تتوسل له، لأن أبو شنب يعمل رئيس قسم هناك، وعلاقاته تشبه علاقات عائلة رودريقيز الكولومبية، ينقصه أن يدخن سيجاراً وهو ينظر من النافذة الضخمة، ويتحدث عن اغتيال أو اثنان.

يستخدم أبو شنب أقبح معجم لفظي يمكنه تقزيزك، ألفاظ مكررة على سبيل الشقلبة اللفظية مثل تفتيت، تكسير، تفكيك، حداثة، تماهيات، توازيات. هو لا ينقد الكتاب، هو يريد مادة، أي مادة تخص شخصًا ما، ليطبِّق عليها كل هذه الألفاظ. عبارات تجعل غير المتوسع باللغة يرتعد، كشخص تعود على مطاعم البخاري وهو الآن في بهو فندق الأنتر يقرأ قائمة طعام بلغة لم يستأنسها، لا يستطيع التفريق بين ما يُشرب وما يؤكل.

إذا كان هذا الشخص ينتمي لذات شبكة العلاقات، فهي تستخدم في سياق المدح، أبو جبهة؟ يستطيع تفتيت أي نص كما فتَّ الله بنوره جبل موسى وفككه وكسّره وجعله يتماهى مع الأرض تحته فصار متوازيًا مع السماء فوقه. سمة عامة أخرى، التلميح بالتجديف دون الوقوع صراحة فيه، وإذا كان غريبًا فهو يستخدم ذات المصطلحات للنقد كما يمارس كلب الأحواش نباحه على الغرباء. يكتب هذه الكلمات للنشر العام، وهو يظن بأنه أنقذ الذائقة البشرية من مستنقع الدنس، وهو لا يملك حتى ذائقة تصفيف شعر وجهه، مفتون بنفسه أنه يحمي عُرى اللغة، القرآن لا يكفي لحفظها، أنا بذات الأهمية.

لم أقرأ الكتاب كاملاً، اطلعت على عناوينه المثيرة، والتي تعمد كاتبها أن يجعلها كذلك، لكني وجدت في كلماته انسيابية، شدتني تنقلات كلماته، محتوى ما كتب لم يهمني لحظة، لكن لغته سهلة ميسرة، تشعر أنه يريد إقناعك بلطف. هذا الناقد، أي كتاب قرأ؟ متأكد أنا بأن نقده كُتب بلغة لا “تتماهى” مع الكتاب المنقود، هي صيغ عامة تُكتب هكذا لمجرد الكتابة، كأنها نماذج الأحوال المدنية أو المرور، تُعبئ الفراغات بحسب الشخص المقصود.

لم أؤمن لحظة بالنقد، ولم أستسغه لسبب بسيط، أنه مجرد مهنة، ومهنة خسيسة كذلك لا تضيف شيئًا. هي من تلك المهن التي أنبتتها غريزة الرأسمالية الإنسانية، حين يخلق الإنسان مهنة من الهواء ويجعل لها سدنة، ومعابد، وكهنة يحملون المشاعل يصرخون في الناس هذا معبدنا اركعوا لنا، نحن من يفهم، نحن من يقرر الجميل والقبيح، سنحدد ذائقتكم وما تحبون وتشكرونا على ذلك.

أصول الفقه الذي أنشأه الشافعي، وكان بذرة للفلسفة الإسلامية؛ أعظم منتج عقلي، والتي مررت فلسفة اليونانيين من خلاله على يد المؤلِّهين الإسلاميين، لم يُترك في حاله، خرج منه تصانيف فقهية لا يمكن حصرها. اطلعت على رسالة دكتوراه تتحدث عن أحكام الأطعمة في الإسلام، تقرأ في تفاصيلها خيالات وافتراضات لا تعلم من أين أتى بها الباحث، طبعًا، من يشرف على رسالته هو نفسه يحمل ذات العقلية، بينما الأطعمة في القرآن لم تأتي إلا في بضع آيات قرآنية مفصلة الأحكام. خرج من ذات هذه العقلية الفقهية، برامج تلفازية، ووسائل اتصال للفُتيا أقنعت الناس أن صلاتهم وصيامهم ونُسك عمرتهم كلها باطلة. تريد الدين الحق؟ تريد الجنة؟ اتصل وادفع، لن تدفع؟ سنحضر الكاهن صاحب السر الأعظم وفق عقد، وستتابع رغمًا عنك الإعلانات الرأسمالية للرعاة في وسط حديثه عن روحانية شهر الرحمة والغفران.

الإدارة، وتنظيم الأحكام الديوانية، عرفها البشر منذ عهد حمورابي باعتبارها سلوكًا إنسانيًا فطريّاً، كانت تحتاج لمدنيّة حتى تعمل بكفاءة. لكنك الآن تجد دورات إدارية تقنعك بأنك لا تعرف كيف تمسك القلم لأنك لم تأخذ سبعين محاضرة، وتحتاج إلى خمسين أخرى، حتى تستطيع التوفيق بين إنجاز معاملة إجازة وشرب قهوتك وإرضاء مديرك في نفس اليوم. يوهمونك بكل هذا الحشو ليثبتوا لك جهلك، وفراغ موهبتك وابتكارك، تعال يا جاهل للمعبد، تعال واركع لكهنتنا، وطبعًا يجب أن تدفع.

أنت تحب العصائر، وتستمتع بهذه المأكولات؟ خطأ! أنت تعيش كالبهائم يا نهِم، لا تصدقني؟ انظر لهذا الأخصائي وهو يتحدث عن المسرطنات، يحمل شهادة معظم مواد تحصيلها تتحدث عن تفاعلات الإنزيمات، وتركيبات النشويات، لكنه يوهم المتابع أنه يفهم في الأورام وتقنيات تحلية المياه. كل إذا جعت، وتوقف فوراً إذا شبعت، وتحرك قليلاً كل يوم، انتهى، لكن هذه الخطة لا تجلب المال، لا تجلب الخوف، يجب أن تعيش في خوف مستمر، ولن تجد الأمان إلا في معبد جديد آخر، هو معبد أخصائيون ينافسون بنات الكارديشيان في وسائل التواصل، اذهب لمعبدهم، وخذ وصفة غذائية تعتمد على الأعلاف، وكل ما يسبب الإمساك والإسهال معًا، مع توصيات لمحال أطعمة معينة لا يأخذون منها نسبة طبعًا، فهذا سيطعن في مصداقيتهم.

غريزة الرأسمالية التي وصلت للأدب، وصلت لكل شيء حرفيًا في حياتنا، كما في النماذج السابقة، لكن أعود للنقد الأدبي.

الأدب من حيث هو أدب، يُترك كما هو، يُكتب لغرضين، للقراءة أو الترك، فقط. من يريد إبداء رأيه بما قرأ فهذا من أبسط حقوقه، أن تقرأ نصًا، ثم تتحدث عن رأيك فيه ولماذا أعجبك، تحاول الخروج باستنتاجات تخصك من هذا النص، هذا يثري الحركة، ينمّي اللغة، يقوّي تلك اللغة الراقية التي نتحدث بها.

لكن النقد، من حيث هو نقد، فهو يحمل الوجه التشاؤمي السلبي، الذي لا يقدم شيئًا. ماذا أستفيد من شتمك للكاتب ونصه؟ لم يعجبك اتركه، تتركه أنت، ويتركه غيرك، فيموت النص ويُنسى للأبد. دع الذي يكتب شعراً رديئًا يكتب، دع من يكتب قصة سخيفة أن يكتب، من يكتب كتابًا يظنه يحوي شيئًا جديداً دعه يكتب، دعه يا أخي، دع الناس وما يشتهون، لكن لا، يجب وأدهم، يجب تقديم قرابين ونحر أي موهبة. الموهبة لا تنمو إلا بالترك أو الدعم، أما القمع فلم يُكسب الناس خيراً قط، يتحدثون عن تفكيك القمع وأسباب تماهيه مع تخلف ما بعد الحداثي، وهم سادة القمع وأساتذته.

المسألة تتعدى الرأي والذوق الشخصي، هؤلاء النكديون لا يعتبرون ما يقولونه رأيًا، بل حقيقة مطلقة. الجميع يبدي رأيه، من يعجبه كتاب أو رواية يتحدث عما أعجبه، ما الذي لمسه منها، وكيف وجد تشابهات وصفت أحوالاً يمر بها، ومن لا يعجبه سيقول لم يعجبني، الكتاب ممل، لغته لا تناسبني. طرح الآراء مع اختلافها متعة يعرفها من مارسها مع عقلاء. لكن أحدٌ لا يزعم بأن رأيه هو معْقِد الجمال أو القبح، لا أحد يجرؤ أن يقول رأيي حقيقة كونية، من يقول هذا هو شخص ملتاث. هذه مشكلة النقد، الزعم بالحقيقة، الإيهام أن الناقد حين يعقد مقارنات ما فهو يقرر حقيقة، أنت لا تقرر حقيقة، أنت تدعم رأيك فقط.

أحترم القراءة التاريخية النقدية للنصوص، استجلاب معان ما لغرض إنقاذها، الأدب لا يحفظ اللغة فقط، بل هو يوثق أنسابًا، وأحداثًا تاريخية، ونقدها تاريخيًا ضروري لإزالة كل ما علق بها من أكاذيب. يصعب تطبيق علم الرجال الحديثي على الأدب، لكن يمكن مقارنة تاريخية النصوص، ودراسة أسلوب من كتبوها، هذا مبحث ضخم جداً، وهو ما يحتاج لطاقة أبو شنب وشلته، لكنه طبعًا عمل لا يستطيعون القيام به، من قاموا به ماتوا فقراء، لأنهم يموتون بعد كتابة مصنّف أو اثنان، وغالبًا لا أحد يشتريها. تُطبع على يد مُحسن مجاملةً لتُهدى فقط، ليس لها بريق كلمات الأعمدة الصحفية حيث سعر الكلمة يختلف من اسم لآخر، وعاشوا بلا شبكات اجتماعية لأن وقتهم ضاع في تنقير الكتب، ليس لهم مجالس يبدون فيها آراءً اجتماعية وسياسية خاصة يجبنون عن ذكرها في مقالاتهم، قوتهم على المغمورين، أو منافسيهم من المشهورين.

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) نص عظيم يثبت صدقيته وحكمته يومًا بعد يوم، لو تفاعل الناس مع ما يعجبهم لتطور الأدب قسراً، لكن دخول كهنة النقد بطلاسمهم وشعوذاتهم تفسد هذا كله بإحيائهم لكل هذه النصوص السيئة حسب وصفهم، تناقض غريب ظاهريًا، لكن سببه الحقيقي أنها قضية أكل عيش، مثلهم مثل غيرهم، الحياة كفاح يا صديقي.

ا.هـ