موعد مؤكد

في قصة نسيت اسمها ومؤلفها كالعادة، يعرف بطل القصة أنه سيموت يوم الخميس. تسبب له هذه المعرفة فزعًا فيحاول أن يهرب من موته. يستخدم معرفته في الفروق الزمنية للنهار والليل وخطوط الطول والعرض الخ فيعرف أنه سيتمكن من أن يدركه يوم الخميس لمدة ساعة واحدة فقط في بقعة محددة من الأرض، فيغامر بالسفر والتنقل حتى لا يدركه يوم الخميس.

“موعد في سامراء” قصة أخرى شهيرة جداً ومشابهة للفكرة كتبها سومرست موم، عن تاجر يرى الموت في سوق بغداد ينظر له بتعجب، فيهرب التاجر لسامراء هربًا من الموت، هناك يلتقيان وقبل أن يموت يسأل التاجر الموت لم كنت تنظر لي بتعجب في سوق بغداد؟ فيخبره الموت أنه كان يفترض أن يقابله في سامراء! تنويع على قصة وزير النبي سليمان الذي كان يفترض أن يموت في الهند، لكنه قابل الموت في مجلس النبي الملوكي والذي -طبعاً- نظر للوزير بتعجب. بقية القصة معروفة، يفر الوزير ويقابله الموت في الهند حيث يجب أن يُقبض. قصص كثيرة في كل ثقافة تحمل ذات السرد ولكن نهاياتها دومًا غير سعيدة حيث لا أحد يعيش للأبد.

قصص الفزع من الموت الوشيك والحتمي كثيرة جداً في الأدب، ولها سياقات مفزعة تتنوع بين ضرورة الاستسلام للموت وبين أن مقاومته ستجعل الأمور تفسد أكثر، كما في قصة “قناع الموت الأحمر” لإدغار آلان بو.

الآن، ننتقل من فرضية الموت المؤكد الوشيك، لفرضية الموت المؤكد غير الوشيك. دعنا نتخيل أنك في عمر الثلاثين الآن، وتم إخبارك بأنك ستموت في سن الثمانين. ليس إخباراً ظنيّاً، بل هو إخبار يقيني سيقع. خلاصة هذا الخبر بأنه أمامك الآن خمسون سنة تعيشها. هل سيتغير شيء ما في حياتك، في دوافعك، في قراراتك؟ هل ستتمنى أنك عرفت هذه المعلومة، أم تركت لجهلك دون أن تعرف متى ستموت وبأي سن؟.

هل معرفتنا للحظة موتنا، حتى لو كانت بعيدة، سيجعلنا نتمسك بهذه الحياة أكثر وننجز، أم سنستسلم لعدمية مطلقة؟ كافكا يقول بأن معنى الحياة أنها تتوقف. كان يقصد بوضوح أن هدف الحياة أن تُعاش بالكامل وأبرز معانيها أنها مؤقتة ولها نهايتها. هل معرفتي بأن هذه الوجبة ستنتهي سيفسد علي متعة التلذذ بطعومها؟. كافكا يقول لك استمتع بهذه الكبسة حتى لو كانت وجبتك الأخيرة في الحياة.

لأن هذا سيثير سؤالاً آخر، هل كل ما يدفعنا في حياتنا هو الجهل، بحيث يكون الجهل هو المحرك الأول لنا للمعرفة؟ هل معرفة بهذا الضخامة ستكون دافعًا لنا للعمل أكثر، أم ستجعلنا مصابين بتلك النزعة العبثية، حيث نتساءل طيلة الوقت لماذا! وبعدين!. أفلاطون حصر هدف الحياة كلها في الفهم والحكمة. لكن ما هي الحدود الدفعيّة لهذه المعرفة؟

لم يغب الموت لحظة عن أي عقيدة. بل هو حاضر فيها أكثر من الحياة، لأن الموت ارتبط في كافة العقائد بما بعده، أن يكون الموت درجة انتقالية، وليس رحلة نهائية. إسحاق عظيموف قال أن الحياة جميلة، والموت سلام، لكن عملية الانتقال هي المشكلة في هذه المعادلة.

في الإسلام يحضر الموت كبوابة فقط. الحديث كله يدور عما سيحدث بعد ذلك. حتى في نقاش كهذه النقطة المطروحة يخبرك القرآن بأنك يجب أن تستكثر من الخير لو كنت مطلعًا على غيبك وموعد موتك. القرآن واضح جداً في هذه المسألة، أنك تعمل لآخر لحظة. تذكر كذلك حديث زرع الفسيلة. اختلف المتكلمون الإسلاميون كثيراً عما سيحدث بعد الموت، لكن لا يوجد رأي واحد ينكر حياة ما بعد الموت، حتى الربوبيّين منكري العناية والنبوة، لم ينكروا حياة ما بعد الموت. الاختلاف كان في تفاصيل هذه الحياة وطبيعتها. الدُهَرِيّون في الجاهلية منكري البعث، تطوروا بعد الرسالة وآمنوا بالبعث لكنهم أنكروا العلم الإلهي المسبق، ثم انقرضوا تمامًا في القرن الثاني الهجري. هكذا نزعم بأن الموت ذاته لم يحظ بالنكران، بل صار مسلّمًا به تمامًا، وصارت كل الأدبيات والأوامر والتشريعات تصب في صالح العمل لأجل ما بعده.

في الهندوسية أنت تستعد للموت لأجل أن تعود لذات الحياة بصورة أفضل وبشكل آخر. عقيدة السمسارا لديهم حيث كل شيء يشبه الأدوار التي لم يخترها أصحابها. عقيدة جبرية تُحتّم أنك تمثل دوراً ما، سواءً كنت كاهنًا متنسّكاً أو قاطع طريق. تناقض رهيب في الفكرة، لكنها تُحضِر الموت بحقيقة ما بعده. العقائد كثيرة جداً ولن تنقطع، وكل يوم تخرج عقيدة وفكرة جديدة عن الموت وما بعده.

قد يكون الجهل أحيانًا نعمة حقيقية ودافعًا لمجهول ما نتوقع فيه ومنه أملاً ما. أنت تذاكر لاختبارك رغم وجود فرصة للرسوب، وتستعد لمقابلتك الوظيفية حتى لو لم تكن مفصلة حسب أحلامك وطموحك، وتتحضر جيداً لزواجك على ما يستتبعه ذلك من ذرية وتربية ومكابدة معيشية مجهولة التفاصيل، وتكون قدر الإمكان مهذبًا صبوراً في مواجهة كل التحديات المجهولة للحياة، لأنك مدفوع بقوة أمل ما. هناك قوة رهيبة بدواخلنا تبحث عن عنصر المفاجأة. أن تتوقع شيئًا وتنال شيئًا آخر أفضل. ولو لم تنله فأنت ستحاول مرة أخرى. هذه العمارة والاستخلاف التي تحدث عنها القرآن في معرض حديثه عن سبب وجودنا في هذه الدنيا. أن تحاول وتفشل فتحاول مرة أخرى، وأن تحاول وتنجح فعلاً فتحاول مرة أخرى لتنال شيئًا أفضل وأجَدّ.

كل واحد منا لديه رصيد كاف من قصص يعرف أصحابها أنهم شعروا بدنو أجلهم، فتغيرت طباعهم للأفضل. هذه التغيرات هل كانت ستحدث لو كان شعورهم بعيداً عن واقعة موتهم، أم سيدخل عنصر التعود وتختفي هيبة الموت؟ لا يمكن مقارنة مجهول لا يحمل وزنًا ما، سوى مقدار إخافته الموجودة بدواخلنا، وبين معرفة ضخمة جداً نعرفها بقينيّة ربما سببت لنا تراخيًا ما في أهدافنا. تجد ذلك التراخي في العدميين أن لهم أفكاراً فوضويّة، وهم أسوء خلفاء لهذه الأرض.

الموت جزء من الحياة حسب التعبير الجميل لهاروكي موراكامي، لكن متى موعد هذا الجزء؟ ويتكرر السؤال، هل معرفتنا بهذا الوقت ستكون نعمة ودافعًا للاستمتاع بالحياة، أم سيكون الموت عبئًا على أكتافنا نحمله طيلة الوقت على رأي الشاعر لوركا الذي قضى حياته يبحث عن قمره؟.

ا.هـ