رادو للبيع – مقال

حين هاجم صدام بن أبيه السعودية عام 1991م، كانت نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ السعوديين تجاه الاهتمام بالسياسة، خصوصًا السياسة الخارجية. الوضع كله كان مربكاً، كنا كعائلة مجتمعين في غرفة علوية، وقد وضعنا علامة X بالشريط اللاصق على النوافذ بعد أن تم كتمها بمغلفات شفافة تُستخدَم الواحدة منها في أيام السلم كسماط للأكل عليها، أقنعونا أن هذا كاف تمامًا للوقاية من اهتزازات سقوط القنابل الذرية والهجمات الكيماوية القاتلة، ويفضل كاقتراح خجول، أن تجتمع مع أفراد أسرتك في الحمام تحت الدش لأن الرذاذ الكيماوي لسبب ما يفقد قدرته الفتكيّة تحت الماء. كانت بعض الأسر تحضر أنابيب مطاطية رفيعة لسد فجوات الأبواب، لأن القنابل الكيماوية مهذبة وتأتي البيوت من أبوابها. لطبيعتها الرسمية، لم تكن القناة الأولى تقدم أخباراً كافية، لذا انتشرت سوق كاملة لمقويات توضع على الأناتل في السطوح بحيث يمكن التقاط قناة CNN الأمريكية. من يتحدث الإنجليزية في أي أسرة صار مطلوبًا منه المكوث كناطور أمام التلفاز والقيام بالترجمة الفورية مع تكرار مستمر من المستمعين له لكلمة هاه وشو وش يقولون؟؟.

حين تسير في الشوارع ترى السعوديين وهم يلبسون أقنعة الغاز، من يراهم يظنهم أفيال أو مصاصي نمل تمشي على قدمين. لا أحد يعرف شيئًا، والكل خائف. بعد فترة وجيزة، صرنا حين نسمع صوت صافرات الإنذار نركض للسطوح لنشاهد الصواريخ العراقية الحمراء يتم اعتراضها بصواريخ باتريوت الخضراء، بعد نهاية الانفجارات السماوية يشتغل فوراً هدير الهواتف الأرضية: هاه شفتوه؟ اهتز بيتكم مثلنا؟ ما حدث غيّر السعوديين للأبد، وأحدث نقلة ضخمة في اهتماماتهم السياسية، والأحداث العالمية. لم يعد أحد يهتم كثيراً بمشاكل فريد شوقي مع فاروق الفيشاوي وخلافهم على تلك الأرض في كفر قرشوم، ولم يعد أحد ينتظر ذلك النزول الأسطوري لصلاح قابيل من الدرج وهو يحكم غلق روبه الحريري الأحمر مع خصلة بيضاء كقطعة جبن عكاوي، من غزارة النشاء التي تم وضعها، لتقول للمشاهد هذا رجل ارستقراطي لكنه خبيث ويزور الكمبيالات. وجد المجتمع متعة أخرى، وجد متعة في متابعة السياسة التي تعددت مصادرها، وتسهّل الحصول عليها.

انتشر الرادو الروسي الضخم، كان كبار السن يضعونه على أكتافهم طيلة الوقت كما يضع عامل البناء كيس الاسمنت على كتفه، ليستمعوا بشكل أوضح. وعلى الرغم من أن الجميع يستمع لذات البث إلا أنهم يتساءلون فيما بينهم ماذا سمعت. تغير مفاجئ حدث في ليلة واحدة فقط. غادرت بعض الأسر العاصمة وذهبت لقراها المجاورة، كان الحافز الأول الابتعاد عن مصادر الخطر، لكن الجميع استسخف الأمر كله وصارت بالنسبة لهم رحلات منتظمة للبر. وافق ذلك تعطيلاً للدراسة، ولأن ثقافة السفر للخارج لم تكن منتشرة بين الطبقة الوسطى، وجد الجميع هذه الإجازات المطولة فرصة للبقاء معاً والقيام بزيارات عائلية، لكن المزاج العام ظل متمسكاً بالسياسة، والحديث عن السياسة.

وكأي متعة حين لا تمارس بعقل واع، أو حس مدرك، صار هذا الانفتاح الضخم على السياسة ومصادرها ذا طبيعة ثقافية اختزالية وموجهة. لم يدرك الناس أن هناك فرقاً بين الرأي والحقيقة أو أن القنوات، خصوصاً الأجنبية، يمكن أن تمارس تضليلاً متعمداً لأهداف تخدم بلدانهم. أنت تدخل هذه اللعبة متأخراً، ولا تعرف قواعدها، ثم تفترض أن هناك أخلاقيات توقعتها. نشطت وبشدة الأرضية المخصصة للحديث عن السياسة، ظهرت قنوات جديدة في المنطقة، وبدأت خدمة الإنترنت وما صاحبها من انتشار مكثف للمنتديات ذات الطابع السياسي. وفي كل مرة تظهر وسيلة جديدة للتواصل يكون الحضور السياسي بارزاً فيها لأسباب واضحة، الناس تريد مادة تعلكها باعتبار السياسة حدث يومي يمس حياتهم، والحكومات تسوّق نفسها وتحكي القصة من وجهة نظرها.

هذا الحضور المكثف جداً للحديث السياسي، تحليلاً وتناولاً وجنونًا، صنع نجوماً كنجوم تلفاز الواقع يتحدثون في الشأن السياسي. صار هناك سوق كاملة لهذا الشأن بعد أن كانت السياسة والحديث فيها يعتبر بشكل ما نخبويًا، باعتبار السياسة فنًا له دهاليزه وتاريخه وعقليته الخاصة التي يعمل بها. ولأن السوق تفسد والبضاعة تبور حين يدخل بها من لا يتقنونها محضِرين معهم بضاعتهم التي لا يوجد بها أي جودة أو تميز، صار سوق التحليل السياسي والحديث عن السياسة بيئة ملائمة لكل ما يتخيله العقل من السخافة وجنون المؤامرات وإفزاع الناس وتخويفهم ونشر الإرجاف.

الإعلام ليس علمًا، هو ببساطة صناعة يتم احترافها بالممارسة الطويلة وقوامها المال والعلاقات العامة، ولها أدواتها التي تخصها. حين يمتزج الإعلام غير المحترف مع المتحدث والمحلل السياسي المخبول فأن النتيجة ستكون مذهلة، خلطة تشبه من يشرب الشاهي الحار مع الجح البارد ويحاول من يفعلها إقناع الجميع أن هذه هي الطريقة المناسبة لهكذا استرخاء.

يعتمد الإعلام حتى يقوم بدوره المادي والتوجيه الفكري، أن يسوّق طريقة واحدة لما ينقل من أخبار وأحداث، وهو إشعار المشاهد بالفوريّة، وأن هذا الحدث الذي يتم تغطيته حاليًا لم يُسبق ولن يأتي مثله ويجب التفاعل معه فوراً حتى يأتي الخبر/الحدث الأجد. الفوريّة هي لعبة الإعلام وفخه الذي يقع به ذلك الشخص الذي أقنع نفسه ومن حوله بأنه محلل سياسي. هذا الغياب ونقص الإدراك عن متابعة لعبة الإعلام، وربط ما يدور بأحداث تاريخية قريبة وبعيدة، والتأثر بالفوريّة يجعل هناك نظريات تحرك أي مدع للتحليل السياسي بطريقة لا تبتعد كثيراً عن الخبال. وأوضح صورة للخبال في التحليل السياسي هو نظرية المؤامرة.

نظرية المؤامرة تفترض أن التاريخ لا وجود له، وأن تكرار الأحداث التاريخية مجرد مصادفة لا ينتبه لها إلا الذين يعانون فراغًا في حياتهم، وأن ماركوس أنطونيوس يختلف عن عقلية جنكيز خان، وأن تشرشل أفضل من ستالين. نظرية المؤامرة تعتمد اعتماداً كاملاً على نقص الإبداع، وغياب التفكير، مع حبس كامل لأي تحليل منطقي ذو نَفَس نقدي. العقلية التآمرية لا تستطيع التماسك أمام التخطيط المنظم، فتظن أن ما يحدث هو جزء من شيء أكبر وأضخم يفهمه صاحب نظرية المؤامرة، فيضم كل شيء لهذا الشيء الذي فهمه وارتاح له ليجعلهم شيئًا واحداً كبيراً جداً. عقله مخزن ضخم يضع به كل شيء بلا أرشفة أو ترتيب أبجدي، بل كل وأي شيء يتقارب في اللون ويتشابه في الشكل.

يحاول صاحب نظرية المؤامرة إقناعك أن كل شيء يحدث بمقدار، وضمن خطة جهنمية حاكها دهاة، وتوارثوها كابراً عن كابر منذ قرون، وأن هناك تواطؤً غير مرئي، لكنه هو -لسبب ما- استطاع رؤيته. من صنع هذه الخطط ليسوا بشراً مثلنا، وهم وإن اشتركوا في هدف ما، لا يدخل بينهم التنافس، واختلاف العقائد، وحتمية الصراع الفردي. لا، هم هكذا نبت خام من قوة تدبيريّة وقهريّة لا يمكن الوقوف في طريقهم.

عقلية نظرية المؤامرة التي تتغذى على الأحداث السياسية المنقولة له ولغيره بالإعلام، تتصور أن الخبر الفوري له ارتباط محوري وهام بأي فكرة يريد إثباتها. هذه الطريقة في التفكير تسمى الصح والخطأ Trial and Error، وهي طريقة تنتزع فقط الذي تريده من أحداث لتوافق الرواية التي يقولها المحلل السياسي. سبعة أحداث تحدث متزامنة في يومين، يأتي المخبول ليبشّر الناس أن ستة منها مقصودة، وهي مرتبطة بالنظام العالمي الجديد، ولها ارتباط وثيق بالمجيء المنتظر للمسيح الدجال. لا أحد يقرأ التاريخ، لن تصدق كمية التشابهات التي حدثت من قبل وفي كل أمة ومجتمع سابق لما يحدث لنا الآن، وكل هذه الأمم والمجتمعات تقرأ الأحداث السياسية الملحمية على إنها إرهاصات ومقدمات لحدث ضخم جداً سينهي الحياة، ويقف خلفه أناس محددون. في وقتنا هذا الآن، بوجود كل هذه القنوات، وكل وسائل التواصل الاجتماعي، ما الذي يمكن أن يحدث لو أننا أدركنا الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، والاستقطاب العالمي وقتها؟ ماذا لو كان دخول هتلر للنمسا يُنقل تباعًا عبر تغريدات فورية؟ تخيل قناة بمراسليها تقف هناك على حدود بغداد وجيوش المغول تدخل لتقتل وتسبي؟ ماذا سيكون موقف المحلل السياسي ذا العقلية التآمرية، لو أنه رأى تقاريراً استخباراتية مسربة -كالعادة! – عن الأسباب الحقيقية لدخول الإسكندر المقدوني للهند؟. التاريخ مليء بصراعات جهنمية، ومآسي بشرية، تجعل ما يحدث في وقتنا الآن نوعًا من لعب القطط، ورخاوة لعب الفتيات. تستطيع إسقاط أي حدث تاريخي وربطه بما يحدث في وقتنا، كما يربط الجميع بين فرسان المعبد والماسونية والمستنيرين وغيرهم من المنظمات السرية جداً، والتي نستطيع معرفة تفاصيل طقوسها السرية جداً جداً في آلاف الكتب التي تباع في كل مكان. لا أدري عن أي سرية يتحدثون عنها، لكنها طبيعة الإنسان أن يحاول الظهور بمظهر العليم ببواطن الأشياء، ويتحدث أمامك بتلك الطريقة الهامسة، مدعية الإرهاق، بأنه لو تعلمون ما أعلم لما استرحتم أبداً.

كان آخر بث لهتلر في فبراير من عام 1945م، كان بثاً بسيطاً، ومن يسمع البث سيظن أن القوات النازية وصلت حدود الصين، وأن الطائرات النازية لتوها هبطت في البرازيل، لكن كل شيء سقط بشكل سريع ودرامي بعد ذلك في شهرين، وانتهت النازية السياسية وبقيت النازية العقدية. مثل هذا البث، كيف سيتم استقباله لو كان في وقتنا؟ أي نظريات ستُنتج عن خيانات جنرالات النازي، وأن النخبة قرروا إسقاط هتلر؟ لكن لأن حدود التواصل والإعلام كانت محدودة، وذات رقابة عالية من الحكومات لم تظهر مثل هذه النظريات إلا لاحقًا وبلا أدلة. مثال من مليون مثال آخر في التاريخ. لا يوجد تخطيط محكم ويستمر لزمانية طويلة بذات الجودة والقوة، طبيعة الحياة وسنتها تنكر هذا الشيء وترفضه.

أستمتع بقراءة كتب المؤامرة، لأني أجد فيها متعة خارقة، وأعاملها معاملة روايات دان براون. يجب أن تعطل عقلك، وتستمتع بالقراءة. أجواؤها ممتعة جداً بالنسبة لي. تخيّل أن تشاهد مسلسل لوست ثم تقول ما هذا الهراء عن رجل مُعمَّر ينتقل في الزمن ويمثل التجاوز للحزن، ودُخان له وعي يمثل عدم تجاوز الماضي! لكنك تعطّل نقدك وتستمتع بالشيء الذي أمامك كما صُنع لأجله.

أحد هؤلاء المحللين يؤمن إيمانًا لا يتسرّبه الشك، أن كتابي “أحجار على رقعة الشطرنج” و “الشيطان يحكم العالم” هما دستور العالم الخفي الذي يستخدمه النخبة الذين يحكمون من خلف الستار. ولك أن تتصور ذلك المنطق المعوج لهذه الفكرة الغريبة، أن هؤلاء النخبة يتحكمون بكل شيء يمكنك تصوره، يتجسسون عليك طيلة الوقت، ويتحكمون في إعلامك، وتعليمك، ولقاحاتك، بل ومذاهب دينك. جميل، وهذا التحكم التام، ما الهدف منه، ما الغاية؟ يجيبك حتى يتحكموا في العالم مستقبلاً. إذن هم يتحكمون بالدول والحكومات وثرواتها وعقائدها، ولهم قوة عاتية عاصفة جارفة لا يمكن مواجهتها، لكنهم يعملون بالسر حتى يصلوا لهدفهم بعد خمسين سنة أن يحكموا العالم! منطق مختل ويلتهم نفسه.

أنا أتحكم في بيتي وأطفالي، وأمارس البلطجة في حارتنا، وأتدخل في كل صغيرة وكبيرة وأتحكم بالجميع بالتلاعب وبالترهيب، وهدفي أنه بعد عشر سنين سأكون متحكمًا ببيتي وبحارتي!.

ليس خطأ أن يؤمن أي شخص بما يريد، هناك أناس يعبدون النبي آدم باعتباره مخلوقاً فضائيًا جاء من بعيد، وهناك من يؤمن بأن ما نعيشه عبارة عن وهم عقلي لا حقيقة مادية له، كلٌ له حرية الاعتقاد، لكن حين تسوق أفكارك على معطيات تريد أن تقول بأنها دينية وقرآنية فهنا سيُرد عليك، وبنفس منطقك ومرجعيتك الدينية.

القرآن مليء جداً بتأكيدات لا يتنازعها الشك بأن سنة الله ليس لها تبديلاً، ولا تحويلاً. سنة الله فيمن خلى قبل، أنهم لا يُسلّطون على المؤمنين بما يجعل لهم التمكين الواسع، والقهر الكامل. جميع النماذج القرآنية بلا استثناء تتحدث عن طواغيت استهدفوا وامتحنوا أقواماً مخصوصين، رغم توسع مُلكِهم وقوة بطشهم وشدة تموّلِهم. حتى نبوخذنصر في سبيه البابلي لم يستطع بسط نفوذه كاملاً، وخلفه من يمحق مُلكهُ ويرثه وهو المؤمن قورش الأخميني، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية، والذي تتواطئ سيرته مع سيرة ذي القرنين كما فصلها الباحث الهندي أبو الكلام آزاد.

النمرود الذي حاول اغتيال أبو الأنبياء إبراهيم لم يتمكن بأكثر من فترة حكمه، بالرغم من أن هذه النماذج هم نماذج لأباطرة عظام حكموا شعوباً ضخمة، لكن سنة الله في التمكين لا تتم لهم، وهم أحقر من أن ينالوها. وهنا لا نتحدث عن الكفر أو الإيمان، بل عن الأذى والتسليط. نبوخذنصر والنمرود ورمسيس وغيرهم لم يتحدث القرآن عن كفرهم فقط، بل باعتبارهم آية يثبت بها الله أن الإنسان مهما طغى وتجبّر وتسلط، فإن السنة الحياتية الثابتة أنهم لا يُسلّطون على غير جيلهم وفي فترة زمانية قصيرة جداً، ثم يصيرون آية وأعجوبة تاريخية، وأنهم لا حول لهم ولا قوة مهما ظنوا بقوة تمكنهم.

هذا المبدأ القرآني الواضح ينسف كذلك وبشكل كامل خرافة المسيح الدجال، وظهور المهدي، وعودة المسيح بن مريم. لأن هؤلاء الثلاثة تترابط أحداثهم في أحاديث متضاربة ومتضادة وفيها تناقضات رهيبة، ونصوصها ذات طابع قصصي خُرافي وخالية من جوامع الكلم النبوية وروح الوحي، فمرة هم يخرجون في كثرة للعرب، ومرة في شبه انقراض للعرب. ظهور الدجال يُفسِد نظرية الرحمة الإلهية أن يسلِّط الله أحد خلقه على باقي خلقه بالكفر والتجديف والتعذيب، بل ويمنح المعجزات والخوارق حتى يُضِلَّ الناس ويفتنهم في دينهم، مع أن الدجال وأمثاله تُسلَّط عليه وعلى أمثاله معاجز الأنبياء الحسية والجدالات المنطقية. يخرج الدجال في ضعف من الإيمان – كما تحكي الخرافات – وهؤلاء الناس ضعيفي الإيمان يرون شخصًا مؤيداً بمعجزات لم تحدث قبل قط، ويفعل أشياءً لا يقدر عليها إلا الله، وما الهدف؟ حتى يغوي الناس! وهؤلاء الناس الذين في إيمانهم ضعة يتعرضون لأعظم فتنة منذ خلق الله آدم! أين العدل الإلهي؟ أين سنة الله التي أكدها وحيه وقرآنه أنها لا تتبدل ولا تتحول؟. لكنه الطابع الملحمي للأحداث الغريبة والجذابة وكأنك تقرأ عن جلجاميش.

لكن بعض من يرفضون فكرة الدجال الشخص، ويؤمنون بخرافيتها، يؤمنون بقوة دجّاليّة كاسحة ذات نفوذ اختراقي جبّار وذات نَفَس شيطاني، وهي قوة تتسلط على المؤمنين وسوف تحكم الدنيا وتتمكن، وحتى لو صارت الغلبة للمؤمنين لاحقاً، إلا أنهم سيتم تسليط هذه القوة عليهم، لماذا؟ لأن الشيطان يحكم العالم، ولأن جورج سورس يملك أموالاً، وعائلة روثشايلد تأكل الأطفال، وتتعامل بالربا. وجميعهم يملكون ريموتًا عجيبًا وبضغطة واحدة منه يتحكمون برؤساء ومقدرات الدول.

الشيطان الذي يصرّح القرآن بأن كيده ضعيف، وأنه ليس له سلطان على الذين آمنوا، يحكم العالم ويحيك المؤامرات، وهناك جماعات وعوائل تستمد نفوذها منه، ويقرّبون له القرابين ويعتقدون بضرورة سيلان الدماء لأجله. الأزتك عبدوا من هو ألعن من الشيطان وقدموا له القرابين البشرية والمراهقات، أين هم الآن؟ لماذا لم يمنحهم التمكين؟ من يعرفهم غير القارئ الفضولي؟. في القصة القرآنية جعل الله الملائكة وإبليس يسجدون لآدم، لإيضاح شيئين في غاية الأهمية، أن الإنسان ذو اختيار ووعي مستقل بروح إلهية، على عكس الملائكة الذين يفعلون ما يؤمرون، وأن الإنسان ذو إرادة حرة، وهذا الإنسان لو كفر كفراً جحوديّاً استكباريّاً عناديّاً فإنه سيكون أشد جُرمًا من الشيطان. أُمر إبليس بالسجود لمن هو أقوى منه تدبيراً وتسلطاً ويمكن أن يكون أشد خبثاً منه. لكن نظرية هجر تدبر القرآن تجعل الإنسان ضعيفًا منزويًا تحت قهر الشيطان الضعيف.

حتى من صوروا الحضارة الغربية، والثقافة الغربية بأنها هي الدجال، هم في الحقيقة يريدون الهروب من تناقضات الأدلة، وعجزهم عن تفسير تسلط الشيطان وأتباعه على المؤمنين. قالها محمد أسد وغيره من الباحثين وقالوا كلامًا غريبًا متناقضاً لا ينسلك في عقل. لماذا هذه المواجهة العنيفة مع القرآن الذي ندعي أننا نثق بحفظه، ونلاحق خرافات تميم الداري وجساسته العجيبة، التي دلتهم على شخص مواصفاته تقترب كثيراً من الرجل الأخضر الذي اخترعه ستان لي بعد خمسة عشر قرناً. لماذا التربيط بالحديد؟ كيف كان كبيراً في السن، وفي حديث آخر وقح جداً وفيه طعن في الذات النبوية، يُفترض أنه في ذات الزمانية، يحكي الحديث المكذوب أن الرسول الأعظم الوقور الذي كان خُلُقُه القرآن كان بكل هيبته والشيب في لحيته “يتلصص” من خلف شجرة على طفل يهودي نائم، ولم يُعارض فكرة قتله بتاتًا، لكن الذي رده أنه قال لعمر بن الخطاب أنك لن تُسلّط عليه، فقط، فكرة قتله ليست مرفوضة، بل ستُمنع عنه يا عمر!. هو مرة رجل كبير، ومرة هو طفل. لكن -وأعترف بذلك- جميع قصصه مسلية جداً، وتصلح مادة للعرض لو كتبها جورج مارتن.

إنكار خرافة الدجال، وما يدور في فلكها من تسلُّط وتجبّر أي قوة كانت على المؤمنين، تُلغي بالضرورة ما يستتبعها من عودة المسيح، ومخدرات المهدي الذي سيظهر وينزل نزولاً أسطوريًا كالترمينيتر ليصلح كل شيء في ليلة سحرية مخالفاً كل سنن الحياة والنفس البشرية، والإرادة الإلهية التي خلقت قوانين أسباب الإصلاح والتجاوز والتعافي المجتمعي والاستقواء الثقافي. تحدث في تحليلك السياسي كما تشاء، وسنضحك كثيراً، لكن لا تكسر خواطر المؤمنين، وتهين قرآنهم ودينهم، حين تبشرهم بأنهم الحلقة الأضعف التي سوف تُغلب وتُقهر، ولا سبيل لنا للمواجهة لأن الشيطان اتخذ قراره.

أربع علامات تجدها دائمًا لدى من يبشر بنظريات المؤامرة:

  1. المصدر بالإحالة. جميع المصادر التي يعتمد عليها المرجف لن تجد لها مصدراً، بل هم ينقلون عن بعضهم. المصدر يقود لمصدر، وهذا المصدر لمصدر آخر نقل عن مصدر، لتجد أن المصدر حديث لشخص ما شعر بتأنيب ضمير وقرر أن يفضح كل شيء!. استخبارات الدول تعمل وتخطط ولديها عقول جبارة تفهم التلاعب بالجماهير، ومثل هذه النظريات في النهاية تخدمهم، لأنها تظهرهم بمظهر القوة العاتية التي لا يمكن لأحد الوقوف في وجهها.
  2. التخطيط ذو الطابع الاجتياحي. هذه النخبة العالمية لا تعير اهتمامًا لأي شعب أو حكومة أو عقيدة، لأنها أقوى من الجميع. جميع خططهم، نعم هم، من هم؟ لا أدري لكنهم هم، طابعها عالمي ويشمل الجميع، لا أحد يفر منهم، هم كالهواء، وأنا أحد جنودهم كذلك أحدثكم بعدم وجودهم حتى لا تواجهونهم.
  3. الوقاحة والشتم والفوقية. جميع المخالفين هم أغنام ضالة لم تجد من يهديها بعد، وأي فتح لباب النقاش سيتم وصمك بالغباء وأنك ضحية كغيرك ولا تفهم شيئًا أبداً. لن تستطيع النقاش مع أي مبشّر بنظريات المؤامرة.
  4. الاتفاقية والتواطؤ. لا يهم أن يكون هناك يابانيًا يمارس الشنتوية في جنازة والده ويبر بأمه على الطريقة البوذية ويعبد الإمبراطور باعتباره إله الشمس، ولا مع رئيس ملحد لا يؤمن بشيء، ولا مع رئيس حكومة يعبد البقر، أو رئيس دولة مؤمن. الجميع شريك بلا استثناء، لأنهم في النهاية يتشابكون بالأيدي ويغنون جميعاً “الشيطان يجمعنا”، وكل هذه الاختلافات بين الشعوب والقادة في الأعراق والمبادئ التربوية والعقائد الدينية تضمحل تمامًا حين يكون المستهدف العالم. كلهم منافقون ويكتمون كفرهم وعبادتهم للشيطان، وتم اختيارهم من قبل النخبة التي تحكم العالم من خلف ستار. مرة أخرى، هذه النخبة التي تختار الرؤساء وتتحكم بميزانيات دولهم، تفعل ذلك لأجل الوصول لهدفهم الأكبر بعد سنين طويلة، أن يحكموا العالم!

لا يدخلني شك لحظة بأن جميع دول العالم المتغلّبة ذات القوة المالية والعسكرية بلا استثناء تخطط، من ضمن خطط كثيرة، بطرق ضد خصومها تشمل التلاعب بعقائدهم، وتحاول قدر الإمكان تحقير مفاهيم الأسرة والوطنية، لكن هذه الدول ذاتها يحدث بها صدامات عنيفة، فالجميع إنسان في النهاية، والأنانية الفردية لا يمكن سحقها بقرار أو نصيحة. الإنسان كما قال أحدهم -نسيت اسمه- أعجب ما فيه تناقضه. هو يؤمن بمبادئ جميلة وقيم نبيلة، لكن المصلحة (وهنا المصلحة هي المال والنفوذ) تجعله يرتكب الموبقات ودون أي شعور بالندم. لكن هذا الإنسان المتناقض لا يعمل ضمن منظومة تشاركه ذات الأفكار بحذافيرها، بل هي مصالح تتقاطع، ولأن الإعلام وما يصل منه إلينا يرينا ما يريده، فنحن نربط بين أحداث ومعلومات ناقصة لنثبت فكرة قررناها سابقاً وصرنا نبحث عن مؤيداتها.

سيبقى الإنسان مخلوقاً أنانيًا متعجرفاً وقاسيًا جداً حين ينال سلطةً ومالاً بلا مرجعية أخلاقية، وسيفعل أي شيء للحفاظ عليها وإبعاد منافسيه، لكن هذه السنة الإنسانية لا يمكنها أبداً التغلّب على السنة الإلهية.

ا.هـ