كنت في إجازة في مدينتي التي أحبها وأزورها بانتظام، قمت مبكراً، النوم يمكن دائمًا تعويضه ولو لم تنل نصيبك من النوم في الحياة فلا داعي للقلق، الموت ينتظرك وستشبع نومًا، لكن المتعة لها زمانية وصحة تجعلك في سباق دائم معها. نزلت من غرفتي للمقهى الخارجي الملاصق للفندق. هو من تلك الفنادق العملية المخصصة لعقد الاجتماعات حين تتم الصفقات أو يخبرونك بأنه تم فصلك من العمل، موقعه مناسب وسعره أنسب. نزلت لتناول شيء بسيط مع شرب قهوة رغوية التي يذكرك صوت إعدادها باختناق الغرقى. أجلس مقابلاً الشارع وكلي هدوء وسلام، حتى رؤية الزفت والسيارات من خلف زجاج المقهى تصير شاعرية ولها وقع عليك. الصباح بالنسبة لي مسالم، لا أفعل شيئًا إلا التخطيط ماذا سأفعل، وأي خطط سأكرر. أحب هذه المدينة لأسباب كثيرة؛ أناسها، نظافتها، طعامها، تعدد مُتعها، زحمتها المنظمة التي لا تجعلك تصطدم بكتف أحدهم حين تسير. في تلك اللحظة التي أشرب فيها قهوتي، وتلك الرغوة الفقّاعيّة التي تكونت على فمي كشيخ لا يهتم بتهذيب شاربه، كنت أفكر ماذا سيكون لو عشت هنا؟

نظراً لموقعه وقربه من محطة قطار رئيسة، كان المقهى مزدحمًا جداً، والكل يريد أكل شيء سريع وخفيف، ومن لا يجد مقعداً يأكل واقفًا أو يأخذ فطوره وقهوته معه للخارج. الكل منهمك ومستعجل ومتأنق، يتبادلون ابتسامات سريعة مع تحياتهم الصباحية بلغتهم الصعبة التي أتعجب أنهم يستطيعون فهمها، وأنا أتأمل كل هذا بملابسي الفاقدة لأي وازع رسمي. يتكرر علي السؤال، ماذا لو عشت هنا؟ ماذا لو صارت هذه مدينتي؟.
حين أكون في هذه المدينة، فأنا أقضي غالبًا ثلاث أسابيع، أصحو كيف أشاء، أنام كيف أشاء في فنادق مريحة يتم ترتيبها وتعطيرها كل يوم، حيث كل غرفة مُلحق بها حمام نظيف يحوي تلك العلب الأنيقة التي يسرقها الجميع لكن الجميع يتظاهر بالتعفف والصدمة من هكذا تصرفات، وحوض استحمام واسع يكفي لتربية سمكة قرش بعد ترويضها. أكلي متنوع وفي أوقاتي التي تناسبني، أذهب لهذه المدينة وقد حددت احتياجات سنة كاملة لأشتريها من هناك، الملابس والأحذية والاليكترونيات الخ، أذهب دائمًا بشنطة واحدة، وأعود بذات الشنطة وقد زاد وزنها مع عدة كراتين. أتجول كيف أشاء، حين أتعب أحرص على الذهاب لأحد الكافيهات ذات الأدوار العالية لأطل على الناس وهم يسعون في أرض الله. أين سأذهب غداً؟ لا أدري، هذه من المتع البسيطة التي أمارسها قبل النوم، أنا لست دبلوماسيّاً مكلفًا بترسيم الحدود، أو رسّام خرائط حيث يجب أن أمشي على خطة محددة لأماكن مكتوبة في قائمة. أي مكان يغري بالذهاب أذهب إليه، حتى لو كررت زيارته لأكثر من مرة، الهدف هو المتعة.
مرة أخرى، يتكرر علي السؤال، ماذا لو عشت هنا؟ ماذا لو صارت هذه مدينتي؟ هذا الحلم الذي داعب خيالي كثيراً، أخذت أتأمله بعقل واع لتبعات تحقق هذا الحلم.

السكن غال جداً في هذه المدينة لأن تبتاع بيتاً، حتى لو سكنت في ضواحيها كأي قروي سيظل السعر مرتفعًا. سأضطر للبحث عن وظيفة راتبها يؤكل معظمه لدفع الضرائب ودفع أجرة السكن. سيتغير نظامي كاملاً من ناحية النوم والاستيقاظ، ستترتب علي التزامات وظيفية واجتماعية وعائلية جديدة، الأماكن التي كنت أتأملها حين أتمشى على قدمي وألتقط لها الصور لجعلها خلفية لجوالي، لن ألحظها حين أمر بها كل يوم، سأكون مضطربًا نفسيّاً وخائفاً أن يفوتني موعد القطار.
حين أعود لبيتي الصغير، الذي اشتريت لحمامه كل مكعبات الصابون وعلب الشامبو ولم أسرقها كما اعتدت، لن أستطيع رفع السماعة لأطلب طعامًا من خدمة الغرف بيدي اليمنى، ويدي اليسرى تفك الكرفتة التي لم أتقن لبسها بعد والتي سيجدونني يومًا مختنقاً بها وميتًا لأنني أخرق وشددتها أكثر من اللازم. سيتعيّن علي طبخ طعامي، وسيكون طعامًا وفق ميزانية محددة. تمشيات؟ من له المزاج الرائق للتمشيات حين تعمل أكثر من أربعين ساعة أسبوعيًا وبراتب بالكاد يقيك شر التشرد، ولديك جار مزعج يستغل غيابك ليضع قمامته أمام بابك. أطفالك سيبدؤون بطرح أسئلة كثيرة عن المعابد التي يرونها، وتلك العادات التي يرونها من زملائهم في المدارس، كيف ستشرح لهم شيئًا أنت لا تفهمه تمامًا؟ زوجتك اجتماعية لكن حاجز اللغة سيجعلها مثل روبنسون كروزو في جزيرته حيث لا أنيس ولا جليس، ومسألة أن تذهب وتعود بعشر أكياس كما اعتادت فهذه تجربة انتهت للأبد، سيتوجب عليها البحث عن محلات التخفيض حيث العروض المغرية للتوفير. حياتي في هذه المدينة ستغير من نمط تفكيري على الطريقة الماركسية، حيث البيئة والمجتمع الإنتاجي يغيران الفكر، لكني سأقاوم، لن أدع الحب يموت، سأكون ذا نزعة ماكس فيبريّة وأقول أن تفكيري سيحدد كيف أعيش وأعتقد. كل الأشياء التي أحببتها ستبقى، هي لم تزول ولم تختف، هي فقط انحجبت بحياة أخرى ونمط معيشي مختلف. كانت الغاية من الزيارات السابقة هو المتعة فقط، لكني الآن أريد أن أعيش وأحيا. كانت قدراتي المالية وسعتي النفسية سابقًا تكفي لأن أقضي فيها ثلاث أسابيع، وربما بشيء من الادخار المقنن أن أرفعها لشهر كامل، لكن أن تتغير الخطة لمتابعة حلم ما، فهذا يغير كل شيء للأبد.

حين نفكر في كل حلم تخيلناه وتمنيناه، هل نملك فعلاً ما سيجلب معه من تغيير؟ هيرقليطس صاحب جوهر النار، يعتبر أن التغيير هو الشيء الوحيد الثابت في هذه الحياة. هناك عقبات كثيرة لتغيير الحياة، خصوصًا حين تكون حياتك مرتبطة بغيرك، متابعة أي حلم يعني تغيراً في حياتك، كل الأحلام تتبع تأثير الفراشة بمجرد محاولة تحقيقها، فكيف حين تصل لحلمك الذي أردته.
مفهوم “حلم الحياة” نفسه مُضلِّل، كل حلم سيجلب معه حلمًا آخر، إما لتضخيم الحلم الأول أو حلم آخر مختلف سيتم تضخيمه كذلك. هذه الشهادة التي نلتها لم تسعدك بما فيه الكفاية، نعم هي أعطتك شعوراً بالإنجاز والفخر، لكنك ستسعى لشهادة أكبر منها، أو تريد استثمارها في حلم آخر أن تنال بها وظيفة الأحلام، ووظيفة الأحلام ستجلب لك مردوداً ماليًا يكفي لشراء بيت الأحلام. كل شيء في حياتك هو حلم سيغيرك ويجعلك في حركة مستمرة لتحقيقه، لكن هل نحتمل كلفة كل هذه الأحلام؟
هذه التغيرات الصغيرة في الحياة تجعلنا نعيش فعلاً، حسب التعبير العبقري لعمنا تولستوي، هي صغيرة في حجمها المادي والزمني، لكن تأثيرها ذا ضخامة فعلية، وتأثير أقصوي على كل جنباتك. لا يوجد إنسان ينجز شيئًا إلا وتغير فيه شيء ما، سيستتبع ذلك تغيراً سلوكيًا ونفسيًا. لا أتحدث هنا عن حجم هذا التغير، لكنه موجود وسيبقى.
هذه الأحلام التي نسعى لتحقيقها، ما هي الأثمان التي تُدفع لأجلها من صحتنا وعمرنا وعلاقاتنا واستقرارنا النفسي؟ لا أحب ما يسمى بقصص الكفاح، حيث يُحكى عن أحدهم بعد أن يموت بالفالج أنه كان من أولئك المخلصين الذين ينامون في المكتب وبالكاد يذهب لبيته، أي كفاح وأي حياة هذه، أي سخف؟ ما قيمة الحياة حين لا تجد وقتاً لبيتك وأطفالك وزوجك وأهلك، ما قيمة الحياة حين لا يوجد وقت يخصك. تبحث في تفاصيل عمله تجده عملاً يمكن تأديته من أي شخص يعاني فراغًا ولديه قدرات إدارية معينة. ما هذا الحلم أن تكون متميزاً في وظيفة ما أو عمل ما وفي المقابل أنت تفقد نفسك؟. يتلذذ الناس بأعجب الأشياء، وحق لكل إنسان أن يستمتع بما يريد، لكن هل هذه الحياة ترادف الحلم؟ نخلط أحيانًا بين الحلم وبين إثبات الذات، تجد ذلك الشخص الذي يخسر جميع علاقاته، ويُصاب بكافة الأمراض التي تُصاحب السهر والجهد البدني، فقط حتى ينال شهادة أو ينال ترقية أو يزيد من أرباحه في تجارته. الحلم أن تتعب لأجل شيء ما، وتناله بأقل الخسائر وأن يكون مردوده مجزيًا ومُكافِئًا، والأهم ألا تفقد نفسك في النهاية.
ا.هـ

