لنقل أنك من أولئك الذين لا يجدون متعتهم في الزحام، وتكتفي بأربعة أصدقاء في حياتك لأن وجود أكثر من هذا العدد يسبب لك فوبيا المصاعد والاختناق، ولندخل أكثر في عقول هؤلاء الأربعة الذين عرفوك لوقت طويل، ونسأل كل عقل فيهم كيف يرونك. أنا فعلاً أتحدث عن الرؤية العيونيّة هنا، ستجد إجابات مختلفة، لو اتفقوا على جمالك فهو اتفاق مختلف في تفاصيل معاييره، ولو اتفقوا لا قدر الله على دمامتك فهم كذلك يرون قبحك مبرراً برؤية وزاوية بصرية تخص كل واحد منهم. أصدقاؤك هؤلاء الذين تركوا كل شيء في الحياة وتفرغوا لغيبتك، لم يدرسوا علم النفس وتفريعاته السلوكية والوظفيّة والبيئية والحيوية، لكن حين يتعلق الأمر بتحليل سلوكك، سيكون كلامهم مختلفًا في تفاصيل أفعالك، فعلك واحد، وطريقتك التي فعلت بها أمراً ما، أو قلت فيها شيئًا ما واحدة، لكن تحليلهم لو اتفق عموميًا، سيكون مختلفًا في تفاصيله. يشبه الأمر بصمة الأصبع، التي يتم تقسيمها لأغراض جنائية لأقواس ومنحنيات وحلقات، حتى لو تشابه أصبعان في المنحنيات -مثلاً- إلا أنهما سيظلان مختلفين في تفاصيل الطبعة. منظورنا يمتلك بصمة شعورية تؤثر على الرؤية الوظيفية للعين وكيفية تحليلها في عقولنا.
لنبتعد قليلاً عنك وعن أصدقائك وعن جلستكم هذه التي تشبه لجنة تقييم شاعر المليون، فالحياة أكبر من الجميع، ونأخذ حدثاً بسيطًا ما، شخص أخرق لم ينتبه لخطواته جيداً في الشارع لأنه مشغول بمتابعة من حوله بفضول، يزلق ويهبط على قفاه، كانت وقعته قوية لدرجة أن شماغه استجاب لنداء الجاذبية فوراً وغطى وجهه بالكامل، عقاله صارت له حياة تخصه وبدأ يدور مبتعداً كإطار سيارة. هذا الموقف حقيقي تمامًا وحدث أمامي، لم يتعرض لإصابة، فقط بعض الحرج حين سار مبتعداً بلا عقال وقد شُفي تمامًا من فضوله، حين تحدثنا عن هذا الموقف، كان هناك انطباعان، الأول يضحك بشدة، والآخر متعاطف وأحزنه الموقف ويرى في الضحك نوعًا من الشماتة. كنت من الضاحكين، ولعل ضحكتي هذه تحولت لكارما جعلتني أتقلب من فوق الدرج لاحقاً ككرتون مكيف تم دفعه بقوة، لكن هذه قصة مختلفة. لكن لم كان هناك نظرتان مختلفة لذات الحدث؟ وكل صاحب نظرة له تبريره الذي لا يمكن نقضه عقليّاً.
في المسلسل المغمور لسبب لا أفهمه، “النظير“، والذي أعتبره جاء بفكرة تجمع بين مسلسلي “لوست” و”دارك” وبسردية أجمل، المهم، في هذا المسلسل تدور القصة حول رجل له نظير من زمن آخر ولكن في نفس المكان، هو ذات الرجل وبذات الهوية الأرسطيّة، لكنه شخص آخر ومن منظور مختلف. كان الاختلاف لأسباب اجتماعية وسياسية وظروف عاطفية قاهرة، لكن المنظور لذات الرجل اختلف تمامًا من الجميع، حتى حين حدث ذلك الاختراق بين العالَمين اختل المنظور بالكامل، وأعاد الجميع النظر من جديد في كل حدث أحاط بحياته.


هذا المنظور الذي نرى به الأشياء التي تحدث أمامنا له أدوات حسية وأعضاء جسدية وتفاعلات نفسية ومحاكمات عقلية، وهذه الأدوات لا تعمل دائمًا بشكل وثيق كفريق، بل هي غالبًا صاخبة وبطريقة مبعثرة كأنهم طلاب في فصل بلا معلم. هل منظورنا يتوقف على الرؤية العيونيّة والإحساس المصاحب، أم أن رحلة المنظور تتعدى وتكمل طريقها نحو العقل؟ في الأمثلة السابقة كانت الأحداث لصيقة ويومية، لكنها تخضع لذات الفكرة الأصلية “المنظور“.
حين نبتعد قليلاً ونتحدث عن مقاربات تاريخية ونناقش أحداثها، فنحن في الواقع نناقش منظورنا لما سمعناه وما قرأناه. خيال “التاريخ البديل” يتجسّد واقعًا في نقاشاتنا التي لا تنتهي أبداً عن قضايا تاريخية. القاص الرائع آرثر كلارك أبدع في أوصاف كثيرة للتاريخ البديل، لكن كل خيالاته كانت نتاج منظور يتغذى على عقيدة سياسية واجتماعية تخصه. في تاريخ المسلمين يحدث ذات الشيء حين يُناقش التاريخ، وبسبب هذا المنظور لقراءة التاريخ الذي لا يمكن الجزم بكل تفاصيله نشأت عقائد كاملة، ومذاهب واسعة. التاريخ مجال بحثي ولا يمكن أبداً تسميته علمًا بالمفهوم الحديث للعلم، حتى أسد رستم حين أُعجب بعلم الرجال الحديثي رغم مسيحيته، حاول تطبيقه على دراسة التاريخ، لكنه لم يستطع لكثرة التداخل والتشابك، واتهم هو صراحة في مقدمة كتابه “مصطلح التاريخ” الفلاسفة أنهم انتقائيون في قراءة التاريخ فيندفعون بالعاطفة فيضِلّون ويُضِلّون حتى يبرروا نظرياتهم ومنظورهم للأشياء وقراءتها.
هل المنظور حقيقة، أم رأي؟
كل فلسفة في التاريخ تدور حول هذه القضايا الثلاث؛ الحقيقة والجماليّة والخيريّة، لا تبتعد أي فلسفة عن هذه القضايا ودراستها والبحث عن مصدرها، لكن الفلسفة في ذاتها ليست حقيقة، وهذه هي الحقيقة التي تغيب عن متَّبعي مدارسها ومقدِّسيها. الفلسفة ليست سوى آراء مُبجّلة، لا يستدعي نطقها الإيمان التام بها، أو عدم المساس بها ونقدها. الفيلسوف هو أكثر إنسان يبتعد عن كل شيء يحيط به، ليكون هناك بعيداً ليجعل منظوره واسعًا قدر الإمكان، في حين ننظر نحن للحصى تحت أقدامنا، فالفيلسوف هناك بعيد جداً عنا ينظر للجبل المحيط بنا، نظره ذو شمولية أكبر، وله نظرة مختلفة بحكم الابتعاد، وما في هذا الابتعاد من صعوبة وذكاء بل وعبقرية.
الحقيقة لا يمكن النقاش حولها أو إنكارها، ربما أنكرتها لفظيّاً لكنك ستوصم بالجنون أو العته وقتها، لهذا السبب وجد الفلاسفة الطبيعيون ضالتهم في الفلسفة الطبيعية/التجريبية، رأوا فيها الحقيقة مجسدة، وجعلهم هذا يكفرون بأي فلسفة أخرى، وخصوصًا فلسفة التأمليّات والإلهيات. تم البناء العقلي على أسس البحث عن الحقيقة، وبما أن الحقيقة يمكن إيجادها بوسائل تجريبية صعبة فما الحاجة للتأمل الكسول؟ ما الحاجة لعد أسنان أرسطو وزوجته في الخيال بينما يمكن عدهم بالنظر المباشر وتقييد الناتج ومقارنته بعدد أسنان جارهم.

العقول ثلاث؛ العقل التأملي، والعقل المعرفي، والعقل النقدي. أكسلهم على الإطلاق هو التأملي، لأنه ينكر التجربة بل ويحتقرها ويفضّل أن يبقى جالسًا يتأمل، على اعتبار أن التأمل هو أعتى قوة عقلية. العقل المعرفي يختلف تمامًا، فهو يتعامل مع ما يراه ويلمسه ويشمه، يعتبر أن المادة هي قدس الأقداس التي ينبغي احترامها. العقل النقدي هو في رأيي أرقاهم وأحفظهم للمعنى العقلي، فهي العقلية التي تأخذ التأمل وترميه على المنطقة المعرفية لتصفيته من كل شوائب الخرافات والإضافات المتحيّزة، إذ لا يمكن للعقل النقدي أن يعمل بلا تأمل ومعرفة. الخلل يحدث في انفصال هذه العقول عن بعضها حين ينكر المعرفي/التجريبي/العلمي/الطبيعي/العادي (مترادفات) ما لا يستقل العقل بمعرفته ويدور فقط في حدود ما تراه حواسه، وينكر أسئلةً تحتاج لأجوبة.
كذلك حين يحتقر المتأمل/الإلهي/الغيبي/السمعي (مترادفات) التجربة ويرى فيها تعديًا على العقل، وأن الحواس والإدراك يجب ألا يحكما الشعور والوعي. وكنوع من الحذلقة، يجب التفريق بين الإحساس والشعور، فالإحساس هو ما اتصل بحواسنا كاللمس والجوع والرؤية والألم، والشعور كل ما اتصل ببواطننا كالخوف والحب والنيّة والترقّب، وفلسفيّاً الإحساس يندرج تحت العلم الحصولي، والشعور تحت العلم الحضوري.
العقل النقدي يقف بعيداً عن كلا العقلين، فهو متأمل في تجربة المعرفي، ويقيّمهما جميعًا للوصول لغايته العظمى؛ الحقيقة. العقل النقدي لا يمكن التلاعب به بلا دليل عقلي أو علمي، وحين تحضر له دليلاً علميّاً لكنه يتصادم مع العقل فسيرفضه لأنه لا يمكن التلاعب به، وكذلك حين تحضر له تأملاً ما ويصطدم بحقيقة علمية مجرّبة ومُشاهدة ويمكن تكرارها وتجربتها فلن يحترم رأيك ولن يصدقك.
أكبر خطأ يرتكبه قارئ الفلسفة أو ممارسها حين يغيب عنه إتقان فنين مهمين، علم المنطق، والمنهج العلمي. ستجد صعوبة بالغة في فهم الفلسفة والتنقل بين مدارسها، والجمع بين تناقضاتها، مالم تكن متوسعًا ابتداءً في المنطق والقوانين العقلية، والمنهج العلمي والقوانين الطبيعية. إلمامك بهذين سيجعل حتى الترتيب الزمني للفلسفة الإنسانية غير ضروري.
المنطق هو لغة الفلسفة، ولا يمكن فهم شيء إلا بلغته بعد تحريرها. في المنطوق العلمي تختلف المصطلحات ودلالاتها عن المنطوق الفلسفي، تميل لغة العلم أحيانًا للمفهوم الجمعي/لغة الحس المشترك، الفلسفة لا تتورط في ذلك. يحدث التناقض وعدم الفهم حين تتداخل المصطلحات في النقاش الفلسفي المبني على استنتاجات علمية، سواءً للتأييد أو للنقض والرد. الفلسفة تعتمد على المبادئ العقلية الأساسية، وكل تفريعاتها الأولية والثانوية، وتحلل كل الدلالات، اللفظية وغيرها، وهي مبادئ ثابتة لاعتمادها على الذاتيات والجواهر. العلم يدرس الظواهر، وتمظهرات هذه الذاتيات والجواهر، العلم فقط يدرس الأعراض لكنه لا يشرحها أو يفسرها، لأنه ببساطة ليس هذا عمله. أغرب نقاش يمكن أن تسمعه أو تقرأه، حين يتم الخلط بين القانون العلمي، القابل للتغيير والانكشاف والتمدد، مع القانون العقلي الثابت، ويتم بناء استنتاجات غريبة من هذا الخلط.
ما تعرفه يصنع منظورك، هذا المنظور تراه مسلّمة وحقيقة لك، السؤال: كيف تم صُنع منظورك العقلي؟ هل ما عرفته كان فعلاً حقيقة؟
في بد العارف لعبدالحق بن سبعين، قال ما نصه “..المباحث والمطالب الأصلية في معرفة حقائق الأشياء تسعة أنواع، والسؤالات عنها كذلك تسعة ألفاظ، ولكل سؤال جواب خاص لا يشبه بعضه البعض وهي : هل هو، وما هو، وكم هو، وأي هو، وكيف هو، وأين هو، ومتى هو، ولم هو، ومن هو. فمن يزعم أنه يعرف حقائق الأشياء ويخبر عن عللها وأسبابها يحتاج أن يكون قد عرف هذه المباحث التسعة والجواب عن هذه السؤالات واحداً واحداً بحقها..”


هذه العقلية النقدية لابن سبعين، تم وضع أسس علمية لها في القرن العشرين على يد الفيلسوف النمساوي كارل بوبر في رسالته للدكتوراه “فلسفة العلم“. وضع بوبر عدة مناهج لتصفية وفلترة كل ما يُزعم أنه حقيقة علمية، لكن أشد قانونين تم وضعهما هما تجربة قابلية التكذيب/الدحض، وقابلية التعميم. بالرغم من قسوة هذين الشرطين، إلا أنهما فعلاً يصنعان تصفية عظيمة لكثير من الخرافات وادعاءات العلم. لا أريد تكراراً لكلام كتبته سابقاً، كما أني كسول لإعادة كتابة شيء موجود بالفعل، ملل فظيع، ويمكن زيارة هذا الرابط لمزيد من الشرح لهذين الشرطين البوبريّة:
لكن بالرغم من صرامة هذه القوانين العلمية، إلا أنه لا يوجد شيء واحد يمكن تعميمه، تخيل أن أقول لك أن الماء يزيد اشتعال النار! ولن أقول ناراً بسبب اشتعال زيوت، ستضحك علي، ستتهمني بالجنون وأني لست سويّاً بعد سقوطي وتقلّبي من على الدرج في بيتنا، ستنظر لي بعين الساخر وتقول: وشاحنات الدفاع المدني مليئة بسفن أب يعني؟ هي مليئة بماء لإطفاء النار. لماذا نؤمن بذلك؟ لأن التجربة أثبتت أن سكب الماء على النار يطفئها، تم تجربة هذا المفهوم وتكراره وتفسيره، لكن هذا الماء لو نثرته على نار ذات حرارة عالية جداً وتقاس بآلاف الدرجات المئوية فالماء المكون من أكسجين وهيدروجين ستتفكك عناصره، ويصير الأكسجين عاملاً إضافيّاً لاشتعال النار! هنا يسقط تعميم بوبر، لكن هذا لا يعني التخلي عن هذا المفهوم أو نبذه، بل هو يقوم مقام المصفّي الأعظم الذي وإن تسرب منه شيء فهو قليل جداً ويمكن احتواؤه.
لا أنكر الحقيقة ووجودها، لكن أين هي؟ من يمتلك الأصبع للإشارة لها؟ الفلسفات جميعها بلا استثناء هي آراء، والآراء تخضع للنسبيّة والمقاربة والتغيّر والتبدّل. يلجأ المؤمن بأي دين أو مِلّة لأن يتمسك بحقائق تخصه، لأن النفس تطمئن لمثل هذه اليقينيات بالنسبة له، تجعل للنفس ركنًا وحجراً يقوم عليه بناء فكري كامل، ويساعد على صنع منظور واضح ومفهوم لعقلية المؤمن. العِلموي لا يختلف كثيراً عن ذلك، منظوره حسي بحت، ما لا أراه فهو غير موجود.
ما تدخله النسبيّة، تودِّعه الحقيقة. الحقيقة لا تتبدل، لا تنقرض، لا تتغير بتغير الظروف، بل هي مطلقة. فلسفات كثيرة تغيرت وتبدّلت بالتوسع المعرفي، مما قاد لحركات اجتماعية وسياسية واقتصادية بشعة، وبعضها حسن وجميل. هذه التغيرات أليست تندرج تحت بند الآراء، ويجب ألا تُحمّل فوق قدرها؟
المبادئ الأولية للعقل هي مبادئ عقلية لا يمكن خرمها بأي طريقة، تحمل ثباتها في كل قضية، وجودها أصلي، وكل فلسفاتنا وأفهامنا تدور في ظِلها. حتى المبادئ العلمية، وخصوصًا المبادئ البوبريّة التي نوقشت فوق هي امتداد لها. كل هذا جميل ويصلح للعرض على بروجكتر في فصل دراسي يلقيها معلم متهندم يريد إقناع طلابه أنه فاهم جداً.
لكن هل هذه المبادئ فعلاً لا يمكن خرقها؟ أكره ناقل الفلسفة، ولا أقول مترجمها، بل الناقل المتباه، لا أحترم نقله، كل الفلسفات توجد في الكتب، ويمكن الوصول لها ببحث سريع على قوقل الآن. ماذا قدمت أنت؟ أرني فهمك. دعني أطل في عقلك لأرى كل أفهامك، لديك الكثير مما تعرفه، لكن أرني تلك الزاوية التي خصصت بها نفسك، أريد أن أرى المؤثِّر الذي لا يتأثر. لدي نفور شديد من قارئي الفلسفة الجامدين، يتحدث بملل طيلة الوقت عن الفلسفة، لكنه لا يتحدث عن فلسفته، عن فهمه، لماذا تخجل من عقلك، وتحتفي بذاكرتك؟
أفهم جداً أن هاديغرد الفلسفي الوجودي والذي رفع من سقف الإنسانية، ارتعب بشدة حين سمع صوت بسطار جندي نازي من قوات الدرع الواقي يقف على عتبة بابه، وهرع لدرجِه ليخرج قلمًا وورقة ويكتب شيئًا جميلاً عن بابا هتلر، وله تعليقات لا إنسانية ضد اليهود. الفلاسفة الروائيين ما قبل البلشفية، تغير حالهم بعد قدوم لينين، وشيطانه ستالين، لينين الذي أبدى انبهاره بحمدان بن قرمط التاريخي، فقط لأنه يحمل نزعة شيوعية، واشتراكية اجتماعية، بينما فلاسفة أمته يتم سحقهم وإخصائهم. أين فلاسفة الروس الآن؟ الانقراض يلحق كل شيء. في وقت الخوف، والحفاظ على الحياة الكل يريد النجاة، قطعًا لا ألومهم، ولن أمارس دور الحكيم الذي جاء بعد نهاية الحرب وأخذ يلوم المتولين يوم الزحف، كانوا يحملون سلاحهم، وأنت بين أوراقك غارق في عالم مجنون تنظّر لماذا نحزن، والآن تلومهم؟ لن أصدقك وأنت لم تحمل سلاحك وتواجه. لهذا، غياب العقل الفلسفي حين يكون بالإكراه فالمنطق الإنساني يفهمه، ويتعاطف معه، ولا يلومه، لكن أن يغيب في وقت الدعة، والرخاء، فهذه برأيي جريمة بحق عقولنا.

هذا الذي أضاع كثيراً جداً من الفهوم. شخص يطالع وينقّر في الفلسفة، هذا عقل يتقبّل الماورائيات، إنسان يؤمن بأن المخ ليس مجرد قطعة هلامية، مغموسة في سائل حافظ لا يختلف كثيراً عن المايونيز، ويزن ثلاثة كيلو فقط وكأنك تحدّث بقّالاً لا يفهم إلا لغة الوزن وسعر اليوم. العقل وأداته المخ، موجودان لغاية أسمى، أن تتلاقح كل هذه المعارف، وأن تزيد، أن تتولّد معارف وحِكم أكثر. استطردت؟ هذه طبيعتي الثرثارية في الكتابة. بينما في الواقع صموت كأني أتابع نملاً يمشي ومطلوب مني إحصاؤه. عقولنا تخصنا، وهي تعمل في مجال واسع جداً من الوعي، وعينا الروحي الذي يعمل في بُعْدِ هذه المفاهيم الأولية للعقل، يشتغل طيلة الوقت، لا يهدأ، ولا يطلب إجازة اضطرارية، بل هو يعمل بنشاط حقيقي.
في حدودنا الإنسانية والمعرفية، ستبقى مناظيرنا للأشياء عبارة عن آراء نسبية ومتغيرة بالتمدد والانكماش بحسب حدود معرفتها، ولو أردتَّ لعقلك أن يُستعبد بعقل شخص مثلك فأنت وذاك، لكن لا تنكر علي عدم اتباعي، فكلنا في النهاية نظراء لبعضنا.
ا.هـ

