التكرار إذا صاحبه عدم فهم، فهذا لأننا نطالع النتيجة فقط، وتركيزنا منصب عليها طيلة الوقت، وننبهر بها ونتفاجئ رغم كثرة تكرارها، لكن حين نعرف قانونها العامل سيغيب عنصر الانبهار والمفاجأة. تتحول عملية الترقب والتوقع لتصير عملية انتظار مجرد دون أي توقعات مختلفة. ألعاب الخفة وسحر المسارح مهما تكررت تظل تجذبنا، لكن حين نعرف طريقة عملها وحيلتها الخفية التي تحتاج لقوة ملاحظة، عندها تصبح عملية مكررة دون أي استنكار ومفاجآت. مازلت أنظر بانبهار لمن يلعبون البلوت ويفهمون التسلل في كرة القدم، أعتبرهم عباقرة وأنظر لهم بإعجاب المراهقين، لم أفهمهما قط ولا أظن أني سأعرف لغزهما الكوني أبداً. لكن برؤيتي لمن يفهمونها أجدهم يتلاعنون وحانقون طيلة الوقت، ويصيبني من مشاهدتهم ذلك الرعب الطفولي لمن يرى والديه يصرخان في بعضهما، عيناي تتنقل بينهم برعب من يريد الانحياز لفئة لكنه لا يعرف ولا يفهم. عمومًا، لعل في جهلي المريع بهما سلامة لاتزاني النفسي الذي لا يحتمل سخفًا جديداً، فمن المفيد اعتبار الحياة مليئة بالمفاجآت، هذا يعطيها نوعًا خاصًا من الغموض.
على مستوى أعمق، وبعيداً عن جهلي بما يعتبره الناس أساسيات يومية، الإنسان حيّرته طبيعة بعض مظاهر الحياة كالبرق والمطر والكوارث والخسوف وأحالها للغيب أو آلهات وثنية، لكن حضرت الفيزياء، الفيزياء المملة الصارمة مكفهرة الوجه، التي تخلو من أي بهرجة وتنميق، وأظهرت لنا القوانين العاملة الخفية، واكتشفنا أن هذه القوانين لها اتساق وسياق وتناغم ونتائج متوقعة تمامًا دون أي مفاجآت. اليد السحرية صارت مكشوفة لنا، وفقدت غموض قانونها.

ما علاقة مقدمتي هذه بقضية فهمنا لأنفسنا وفهمنا لغيرنا؟
الإنسان له طبيعة محكومة بقوانين عاملة لا تتخلّف ولا تتغير. لكن الإنسان يختلف عن قوانين الحياة والطبيعة، لأن فيه عنصراً مفارقاً لهذه الطبيعة المادية، عنصراً آخراً ما ورائيًا، وهذا العنصر لا يعمل دائمًا، وهذه المشكلة. لذا حديثي سيكون عن معظم تمظهرات هذا القانون، ومعظم صوره. ستظل طباع الإنسان تُدْرس في علم الاجتماع وعلم الأعصاب النفسي وغيرها من العلوم البحثية، وسيظل الجدل مستمراً للأبد، هل الإنسان يولد بطباعه أم يكتسبها أم هي خليط. هذا لا يهم، إذا عرفنا قانون الإنسان فالنتيجة ستكون دومًا متوقعة وننتظرها دون أي مفاجأة.
الصدام اليومي في حياتنا، مع أهالينا وأصدقائنا وشركائنا، وحتى مع الغرباء، يحدث لأننا توقعنا أننا مختلفون عن بعضنا البعض. نحن لا نختلف، نحن في جذورنا الأصلية نسخ مكررة، حتى لو تغيرت قشرتنا الاجتماعية والعقدية ورواسبنا وعقدنا النفسية فستظل تبقى بنا صفات لا تتغير أبداً. نحن ننتظر أحداثاً، مواقفاً، تغيرات اجتماعية ومادية، وميولاً عقدية وغرزيّة أن تحدث لنا حتى تظهر صفات مبطّنة وموجودة بنا، على طريقة جواسيس الكي جي بي السوفييت الذين يتم زراعتهم ليعملوا بعد عقدين وثلاثة من الزمان. الحدث لا يغيّرنا، الحدث يعطي الصلاحية والمناسبة لصفة ما أن تظهر، بغض النظر عن هذه الصفة وتقييمنا لها هل هي سلبية أو إيجابية. الحدث يصنع بيئة حاضنة لصفة ما أن تبرز وتعمل بكل طاقتها، يمنحها الحدث الحياة.
دائمًا يُقال عن شخص ما حين يصيب مالاً أو وظيفة عالية أنه تغيّر، هو لم يتغيّر، هو انتقل من وضع لوضع، من مجال لمجال آخر، صار في بيئة جديدة، وهذا الوضع الجديد استطاعت صفات معينة مخبؤةً في نفسه أن تتمدد وتكشف عن نفسها لأن هذه بيئتها المناسبة والملائمة. الشخص هذا ليس مغروراً، وليس سيئًا أو ناكراً للمعروف، تصرفاته طبيعية وفق المعايير الإنسانية. الخطأ منا نحن كمشاهدين له ومتعاملين معه، نريد له الجمود والبقاء كما هو رغم تغير أوضاعه ومجالاته النفسية بأثر تغير ظروفه، رغم أننا نحن ثابتون وجامدون على أوضاعنا! تطلب ثبات شيءٍ متحرك حتى يجامل وقوفك وجمودك؟ ألم تفكر في أنانية طلبك هذا؟

كثيرون لديهم إمكانات مادية، قيادية، عاطفية، اجتماعية، لكنهم لا يجدون الوسط الملائم لها، فهم يعملون بقدراتهم المحدودة في بيئات مُقيِّدة لها أو يخفون هذي الإمكانات، وهم غالبًا لا يعلمون أنهم يمتلكونها أصلاً، لكنهم طيلة حياتهم في وسط اجتماعي له قوانين متضادة مع مدفوناتهم النفسية. هذا التضاد هو الذي يجعل الإنسان في حالة قلق دائمة، ويعطيه شعوراً متواصلاً أن هناك نقصًا في حياته، لكنه يصير مضطراً أن يتحدث دائمًا عن الرضا والقناعة. هو يلمس في نفسه أن وسطه غير ملائم له، أي وسط، لكنه لا يقدر على لوم أحد ولا حتى نفسه. يعيش في هذا الوسط الذي انخلق فيه دون اختيار ولا سؤال، فيضطر للتعايش معه. حين ينال وسطاً جديداً، وسطاً واسعًا به مساحات جديدة لإمكاناته، فهو فوراً يجد نفسه مندمجًا به، ومنداحًا لأبعد درجة. كنت تظنه مثلك لأنه مقيد مثلك، ملموم كحالك، لكنه انفلت وتحرر. لمَ تلوم تحرره وابتعاده؟
تنافر الناس وتضايقهم من بعضهم البعض، مردُّهُ الرئيس الأنانية. كل إنسان يريد كل شيءٍ حوله ملائمًا له، موافقاً لهواه، كمن يريد مكيف غرفة مليئة بالناس على مزاجه، طالما أننا في حالة ثبوت وجمود، فنريد كل شيءٍ حولنا جامداً وثابتاً، لا نريد حركة لأي شيء فيبتعد عنا ويتركنا ويتخلى. نظرتنا المركزية لأنفسنا مليئة بنرجسية تسبب إعاقات تواصلية، وتصنع اضطرابات دون سبب حقيقي مُبرر. الإنسان حين تتغير ظروفه ويحصل له وسط جديد فهو غالبًا، وهذا من حقه، أن يبحث عن مصلحته لأنها حياته، لكنه لا يقدر على أخذ الجميع معه. وسطه الجديد سواءً جاءه بسهولة أو سعي، يظل وسطاً مُستحقاً له، ولا يُعيّر به أو يلام عليه.
من الخطأ لوم إنسان على ما نسميه “تغيّر” – على أي أساس يفترض الواحد منا ويعتقد في نفسه أنه نقطة ارتكاز معيارية وقيميِّة لتحديد السلوكات/ التصرفات/ المفاهيم/ الخ الخاطئة والصائبة؟ حتى لو اعتبرنا أن التغيّر هذا صدر منه أذى، فهل هو فعلاً أذى حقيقي أم أذى مُتوهّم؟ الأخلاق عبارة عن مفاهيم اعتبارية، نسبيّة ومتغيرة وتُعيّر بنتائجها، نقيّمها غالبًا حسب مصلحتنا وفائدتها لنا. إذا حُرِمنا من شيءٍ ما، أو ضايقنا أمر ما، فنرجسيتنا وأناتنا المتضخمة فوراً تصنفه بأنه أذى وغلط ونبدأ باللوم.
قانون الإنسان سهل وبسيط وواضح. قانون الإنسان أنه دائمًا يسعى لمصلحته وفائدته، وسيتخلى عن أي أحد لا يتحرك معه. وأنا حين أقرر هذا الشيء باعتباره حقيقة طبيعية بنا، فأنا لا أصنفها كسلوك صحيح أو خاطئ، أبداً، لن أضع نفسي كقاض على الإنسان وطبيعته، لسبب بسيط أننا نتشارك في جميع الصفات الإنسانية، لكن مصاديقها تختلف اجتماعيًا من ناحية التصويب والتخطئة.

عودة على مقدمة كلامي، يُفترض أن قانون الإنسان لا يكون محيّراً أو غامضاً، كل شيء متوقع وممكن الحصول، وهو يسير في مساره الطبيعي، ولا يفترض بنا التفاجئ. لكن هل هذا يعني أننا سنقول بأن الأذى والتعدي بكل صوره مقبولة، ونسكت عنها باعتبارها سلوكاً إنسانيًا طبيعيّاً، لا طبعًا، كلامي يدور حول منظور اجتماعي وتواصلي بحت. المناظير الاجتماعية الحقوقية والجنائية تندرج تحت هذا القانون، لكنها لا تُغفل ولا يُسكت عنها باسم الطبيعة البشرية، بل يُتعامل معها بقوة لدرجة البتر أحيانًا، وهذا موضوع مختلف.
هل القانون الإنساني قابل للتغير بحيث أنه يفاجئنا؟ نعم ممكن، لكنه نادر جداً. لهذا السبب تحدثت أن بنا عنصراً مُفارقاً، وهذا العنصر يصعب استخدامه لأن قانونه مختلف، ويحمل قانونًا يخص كل شخص لوحده. لهذا كثيراً ما نستغرب، ونتعجب تمامًا من أناس تغيروا تغيراً حقيقيّاً، وكسروا كل التوقعات عنهم، والأهم أنهم ثبتوا عليها طيلة حياتهم.
تؤثر فيني جداً قصة أبو حامد الغزّالي، وكيف خرج عن ماله وبناته، وصار يجلس بين الأحذية عند المساجد لكي يسحق غروره، دخل في رحلة غريبة وغير قابلة للتصديق. حين رجع، اختفى ذاك المعلم المتغطرس بعقله، لم يعد ذلك الطاووس المختال الذي كان يرأس جميع المدارس العباسية، رأى الجميع فيه إنساناً هيّنًا ليّنًا حقيقةً لا ادعاءً. منافسوه وأساتيذه لم يصدقوا كل هذا التغيّر، حتى الحكومة المركزية في بغداد التي هرب منها في بداية رحلته، اعتقدوا أنه تخبّل، لكن الإنسان تُقاس طبيعته بالتعصّب، وجدوا أبو حامد إنسانًا مختلفًا يقبل الاختلاف ومتواضع في النقاش. ما هذا الإنسان الذي يخرج عن أهله وبناته؟ أي طاقة روحية جذبته لهذا الطريق؟ ماذا رأى، وماذا عرف؟ لا أحد يدري. صار قليل الكلام، منطقيٌ ويتكلم في الإلهيات بطريقة لم تُسبق قبل. صار أبو حامد المؤلِّه الذي يُحضِر العقل في سياق الإيمان. أقنع الجميع بما هو ضد العقل وما هو فوق العقل، وأن الإيمان والغيبيات والإلهيات كلها لا تتضاد مع العقل. لا مكان لغباء المتدينين، ولا سفاهة وحمق الملحدين. هذا المثال لإنسان ابتعد كثيراً عن صراعاتنا اليومية والحياتية وعلاقاتنا وكل الأشياء التي نكتشف تفاهتها لاحقاً بعد أن ضاع مخزوننا النفسي. صار يعيش في عالم يخصه وهو مستمتع به.
الإنسان يبدأ بنفسه، ويعيش بنفسه، ويبقى في الأخير لنفسه. طبيعة الحياة التعارك وأن كل شي يريد سحبك لطريقه ومساحته وفراغه حتى تملأه له، ثم يستخدمك ويستنفدك عاطفيًا وماديًا وجسديًا. تغيب النِدِّيّة فتجيء الغبنة والنقمة، وهذه النقمة تحول سلوكنا لنار تأكلنا قبل غيرنا. نحن كبشر قانوننا ثابت، لكننا نتفاجئ كل مرة حين نرى النتيجة، ونُغفِل القانون والمعادلة التي أخرجت لنا النتيجة. فهم هذا القانون سينزع عنا كثيراً من الحزازيات والكراهية وأوهام الاستحقاق، سنفهم فعلاً بعضنا أكثر. وهذه ليست دعوة لسوء الظن بمن حولنا وأننا نتوقع منهم الأسوء دائمًا، بالعكس، لأنه كما قلت قبل إذا أُستبعِد عنصر أذى التعدّي، فأي شيء آخر من الخطأ اعتباره أذى وهجوم مقصود علينا.

دعوى عريضة ومثالية؟ لا أظن. صعبة جداً وأعلم ذلك، لأن أنفسنا حساسة وفيها توجه للحزن والشعور بالحرمان. طبيعتنا البشرية تميل دومًا لموضع المظلوم، المِعْطَاء الذي لم يوف قدره، الباذل الذي لم يتم تقديره، الشارح الذي لم يُفهم الخ هذه يشعر بها الجميع ولكن بدرجات متفاوتة، تبدأ من النرجسي الملعون وتصل لحد المريض المعتل المصاب بالبارانويا.
كلنا نريد أن نعطي، ونريد أن نأخذ، ونريد أن نفْهَم ونُفْهم، لكن اختلاف الدرجات هو الذي يصنع كل هذه الصدامات بيننا، والمشكلة الكبرى في فهم اختلاف الدرجات هذه، أنها لا تحدث إلا بعد معاشرة واختلاط لفترة زمانية، وتحتاج لمعايشة لصيقة، فيأتي بعدها شعور الغبنة، وشعور أننا انخدعنا بشكل ما، وهذا الاكتشاف يؤثر علينا لاحقاً في كل علاقاتنا الإنسانية، فنصبح حذرين ومرتابين، بينما القضية كلها ودائمًا عبارة عن “قانون إنساني”. من يفهمه سيرتاح وسيعرف كيف يتعاطى معه، وكيف يتصرف مع عواقبه، بل سيقدر على استنتاج ماذا سيحدث وسيكون ذا مَلَكة تحليليّة. لن تضيع أوقاتك في تعافٍ مُتوهمٍ لا تحتاجه.
محاولة فهمنا للآخرين ستجعلنا نفهم أنفسنا. من لا يفهم نفسه ويعترف فعلاً بنتيجة اعترافه هذا، سيبقى متخبّطاً بين الآخرين ويلومهم على كل شيء.
ا.هـ

