عن الأفكار التي ستموت معنا – سالفة صبح خميس

نُعرَّف بأسمائنا وأشكالنا وانتماءاتنا، إلا أنه يبقى لنا تعريف لا يعرفه غيرنا، انتماء أفكارنا. أن ننتمي لأفكار تُشكِّل هويتنا النفسية والشعورية. هذه الأفكار تعبَّأت في وعينا من تجاربنا، وفي كل مرة ندخل تلك التجربة نخرج منها باستنتاج على شكل فكرة ورأي نستميت بالدفاع عنه، نحن لا ندافع عن الفكرة من وحي اهتمامنا بصوابيتها أو اقترابها من الحقيقة، بل ندافع عن هويتنا.

هذه الفكرة، التي شكّلت رأيًا هو بالنسبة لنا هوية عقلية، لا نقبل بأقل من أن تكون هي الحقيقة المطلقة. حقيقيّة الفكرة وصوابيتها تعطي وزنًا لكل تصرفاتنا. هذه الفكرة أو تلك نستعظم الظروف والمغامرات والتأملات والصعوبات والخسائر التي قادت لها، لا يمكن أن تكون النتيجة فراغاً أو غباءً، لا نرضى بقناعة الصدفة وخطأ التدبير وقلة حيلة الذكاء، بل هي وبدون أي شك أو وهم أنها فكرة متماسكة جاءت من كهف الحكمة نفسه!

لم نختر أشكالنا التي نُهْوَس بتعديلها، ولا نستطيع إيقاف الزمن الذي يفترسنا ويضعفنا ويعاملنا بوقاحة خالية من الذوق، لم نختر حتى أسماءنا ولا أهالينا، كل هذه الهويّات جاءت بمجيئنا قطعةً واحدة كعرض تخفيضات تم استغلاله على عجل، لكن ما نعتبرها أفكاراً لنا، وما نراها تجاربًا حكيمة، وما نستشهد به من أقوالنا كأنه منطوق الوحي، هي استخلاصات منا، من ظروفنا، ومن خياراتنا التي نهرب من عواقبها.

لدينا نزعة عاتية وشرسة للانتماء نحو هوياتنا، المادية والعقلية، لا نقبل فيها الخطأ أو العتب، فضلاً عن التبديل. هذه الفتوّة التي نمارسها في عرض آرائنا وأفكارنا هي تأخذ قوتها وجرأتها لأنها تقابل أفكاراً أخرى تعارضها. يستكين الإنسان ويرتاح أن يجد في داخله جوابًا لكل شيء مهما بدا معقداً ومتناقضًا، يرى الجواب السقراطي دومًا في داخله، أفكاره بغض النظر عن كثافتها وسمكها وقابليتها للحياة هي التي تقرر كل شيء، ولا تكتفي بالقرار فقط بل هي تقرر كذلك مستوى القبول والرفض لأي شيءٍ آخر يريد التسلل.

لا نقبل نقد ملابسنا مهما بدت كملابس المشردين، ولا نحب من يوجه تلميحًا أنه يمكن أن نكون أفضل في سلوكنا الاجتماعي، ما دمتَ عليمًا حكيمًا منطيقاً فلمَ لم تنفع نفسك؟ المهذب ابن الناس لن يقولها في وجوهِنا، لكنك ترى تلك النظرة على ملامحهم وهم يسمعون آراءك وأفكارك وينبوع حِكَمِك الذي قرر أن يفور في لحظة تجلّي. هلّاَ قلبت العملة ورأيت جانبها الآخر؟ أنك نفسك لا تقبل النصيحة وقطعًا لن تتزحزح عن رأي يقبع في عقلك!

نحن لا نتحاور مع وجود إمكانية لتغيير أفكارنا وآرائنا، نحن نحاور لنعرض أفكارنا، ننفر من الأفكار التي تخالفنا وننجذب للفكرة التي تتفق معنا، هل رأيت أحداً يغيّر رأيه بعد أي نقاش قائم على الرأي وليس قائمًا على جمع الحقائق؟ نحن لا نعرض أفكارنا بصفتها المنطقية وقانونها العقلي، بل نحن نحاول عرض هويتنا ووجودنا، ننافس ونُزاحم، لأن الرأي من أرخص الأشياء وهو متوفر بكثرة ولو كان عملةً لصار كعملة زيمبابوي أو فنزويلا.

الحفاظ على الرأي والتعصب له ليس كِبراً وجحوداً، بل هي مسألة خوف، خوف ذوبان الهوية، أن نفقد أنفسنا، أن نسمح للآخرين بالتسلل لدواخلنا والمبيت بنا للأبد، عقولنا آخر ملاجئ حِفظنا ولا نريد مشاركتها. لا أريد أن أخضع لفكرة فتيّة وجديدة سمعتها قبل خمس دقائق وأجعلها تحل محل فكرة شابت وأنجبت وهي تستمتع بتقاعدها في عقلي، نفترض أن الكرامة يجب أن تتدخل هنا بأي طريقة، أن نجد عذراً ومبرراً يجعلنا نرفض الفكرة، نحضر شواهد مادية تناقض العقل، أو نفترض منطقًا لقضية شعورية، وغالبًا تتداخل الحواس لتنضم لحفلة صاخبة من الصراخ، فإذا علت الأصوات هدأت العقول.

بعيداً عن فكرة الموت وفلسفته وتخوفاته، إلا أن شعورنا بالعدم والانقضاء وعدم الخلود سيجعلنا نتمسك بأنفسنا أكثر، ولا نكتفي بأن يخلفنا من يحمل أسماءنا فحسب بل نريد لأفكارنا أن ترث اسمنا، أن تنسب تلك الفكرة لنا، أن نكون مورِّثين لحكمة وفلسفة وتجربة حياة نريد لها الاستمرار، أن يتعدانا الأثر لآخرين يرددون أسماءنا وأفكارنا.

أفكارنا وآراءنا ما لم تخرج في نقاش وجدل فهي تخرج في نصائح غالبًا لم يطلبها أحد. نصائحنا نكاد نبكي ونحن نبثها، نصاب بالجنون كيف أن من أمامنا لا يرى ما نرى، نظن تجربتنا يسهل نقلها بنصيحة أو حكاية، هذه التجربة التي تحولت لرأي وقناعة علق في أذهاننا أننا أنبياؤها ورُسُلها وأن البلاغ يكفي للعقلان. لكن الذي فاتنا أن ما نقوله هو تجربة تتصادم مع تجربة، وفكرة تناطح فكرة، وأناس لا ترضى بتسلط نظرائها، ومن أمامنا لا يرونا إلا أنداداً لهم كثيرو الكلام وتعليب المواعظ وأننا حتمًا لسنا أعلى أخلاقيًا أو عقليًا. لا توجد هيبة كافية لفرض هذا الأمر عليهم بمجرد القول، هذه تعمل بين الوالدين وأبنائهم وبين المعلمين وتلاميذهم والرؤساء ومرؤوسيهم، حيث لا حاجة للإقناع أو الحديث الهادئ، بل هي أوامر تنفذ وإلا هي العقوبة والصفعة والتبكيت المعنوي.

مشكلة الحكمة والنضج أنهما بالنسبة لنا فقدا تأثيرهما وفائدتهما، صارا لهما وظيفة واحدة، توقف الاندهاش وخبوت الانبهار، صرنا ثقالاً نبرم شفاهنا بسماجة ونحن نسمع أي شيء بملل فظيع، لكن أن تُنقل هذه الحكمة والنضج نحو خطة حياة جديدة لنا فهذا الشيء فات وقته ومات زمانه. هذه هي مُفارقة الحكمة والنضج، ما فاتنا نرسله لمن هم أصغر منا وأشب في شكل رأي ونصيحة نريد رؤيتها فيهم، أن يُكمل غيرنا استثمارنا الذي خسرنا رأس ماله بخيارات متعجِّلة، ويحذر الآخرون من العقبات التي تعثرنا بها لأننا كنا نركض بإغماض من يظن أن الحياة كالدراسة يوجد بها دور ثاني وحمل مواد للتعويض. لكنهم ببساطة لا يستجيبون لسبب بسيط، ومرةً أخرى، هم لا يرون ما نرى ولا يفهمون كما نفهم لأن أدوات الفهم تختلف بيننا. نحن نرى ببصيرة ووعي وهم وعيهم مازال في طور نموه وبطرق مختلفة، وحتى لو كانوا قابلين متأهلين للنصيحة وقبول الرأي إلا أن التجربة الخاصة والرحلة المستقلة والهوية التي لا ترضى بالمشاركة والزحام ستعاند وترفض، سيتصرف الجميع مثلنا نحن من نحمي هوياتنا بكل طريقة.

ستظل الآراء والأفكار والنصائح مادةً للعَلك والتبادل لقضاء الوقت، ففينا من عناد السموات والأرض ما لا يرضينا باتباع أي طريق لا نرى فيه مكسبًا ماديًا واضحًا أو تغلبنا شهوة المقامرة ووهم الفرصة، أما أن تؤخذ الأفكار من غيرنا هكذا خامًا حتى نضيفها لوعينا العقلي وبنائنا النفسي ونُعمِل عليها حكمتنا الخاصة ونقدنا المستقل فهذه تحتاج لأشد أنواع التواضع والتجرد الروحي الحقيقي.

وبس، تعبت ومليت.