على الطريقة القديمة للرسوب في المدرسة حيث يجب عليك قراءة المنهج كاملاً للفصل الأول والثاني لاختبار الدور الثاني كنوع من التعذيب السادي غير المفهوم، أرجو منك كقارئ صبور أن تعود للمقال الأول الذي أضع رابطه هنا، الفكرة أن هذا المقال هو مقال تكميلي وإجابة لبعض التساؤلات بعد نقاشات خاصة، وتفريع لنقاط جديدة وإسهاب فيما أُختصر هناك. لن يكون هناك اختباراً ولا دروعًا توزّع ولا حتى شهادات شكر مليئة بالأخطاء الإملائية، الميزانية لا تسمح بذلك، وهذا المقال عمومًا طويل يحتاج لرقم ردمك وعنوان في قوقل مابز، لو استطعت قراءته في جلسة واحدة فأنت من أولئك الصابرين العتاة الذين يتحملون المكوث في سجون القولاق.
لم يُشكِّل الإنسان شعورٌ ويحرِّكُهُ؛ كالحزن. الحزن له اتصال أعمق وأبعد في الإنسان، الحزن هو الأساس دومًا، والسعادة طارئة رغم أن المقارنة بينهما غير عادلة أو حتى مقبولة، لكني قارنت بينهما في مقالي حتى أشير لنوع من الاختلال في نظرتنا لهذا الأمر كله. الحزن لو احتمل المقابلة والمقارنة فهو يقبل المقارنة مع صفة أخرى، الرضا، ولن أقول القبول أو القناعة، فالرضا هو جنة الدنيا. الحزن هو ذلك الشعور الذي لا ينفك عنا، هو القاعدة التي نهرب منها ونحاول أن نتناساها، ولو لم يكن هو الأصل لما سعينا للسعادة وسُبُل السعادة وطُرق السعادة بحسب مفهوم كل أحد منا للسعادة. السعادة ننظر لها دائمًا كهدف وقصد وغاية، كمهرب، فإذا كانت هي كذلك، فهذه الرحلة تهرب من ماذا، وتريد استبدال ماذا بماذا؟ وهذا ما يجعل الحزن معياراً للمقارنة ومرجعية رغم تحفظي على نظرية كارل يونق.
الحزن شعور أصلي، سابح بنا، متفيّض، له منسوب يزداد وينقص لكنه موجود للأبد، طبيعته أبدية بنا، دليله فينا، لكن ما نعتبرها سعادة فهي تأتي كزيارة ثم تذهب بلا رغبة منا. هذه القاعدة الضخمة للحزن بداخلنا تحوي كل أنواع الحزن التي نعايشها ونمر بها، الموت، الفقد، الندم، الخسارة، اليأس، الزمن، الخ. حين يتناهشني حزن التقدم بالسن وأني أضعت فرصًا كثيرة، وأدخل في خيالات وافتراضات تصيبني بكآبة وتعاسة من نوع خاص، فهذا الحزن سيتم ابتلاعه بحزن آخر، الفقد والموت، وهذا الحزن سيأتي معه بحزن أبشع منه وهو حزن التفريط والتأجيل. نعم، هي أحزان متراكمة وتتراكب وتتضخم، لكن أي حزن يمكن التعايش معه، لكنه يبقى هناك بالداخل، كغصَّة، كابتلاع الريق على حلق متورِّمة، كذكرى مهما تجاهلناها فهي تحضر بلا مناسبة وفي أغرب الأوقات، ولا يمكن تجاهلها تمامًا إلا بحزن أكبر منها ينال كل نصيب التفكير.

السعادة لا تطرد الحزن هذا، لا تُلغيه أو تُنسيه، لا تبتلعه فضلاً عن أن تمحوه. السعادة قضية مؤقتة وعابرة وحسية تمامًا وليست شعورية. السعادة تعتمد على الحواس والرغبات، تحاول أن تستمتع بكل لذة تريدها، لأن هذه طبيعتها، وإذا أرادت السعادة الحسية أن تتصل بشعورنا، بداخلنا وعمقنا، فهي تحاول التواصل مع شعور الرضا، لكن الرضا شعور متلاعب وصعب، لا يُنال بسهولة. السعادة تلامسه وتحاول أن تحوزه وتجعله بالغًا عاقلاً مكلّفًا، لكن الحزن يفسد هذا كله لسبب بسيط، أنه مستمر ومنطلق شعوريًا ولا يتوقف! الحزن لا يرتاح ولا يأخذ إجازة.
الحزن كشعور داخلي، يتم تغذيته بحواس الألم، وسماع ما نكره، ورؤية ما لا نحب رؤيته، وغالبًا بفقد الحواس لما تريده وترغبه وتطلبه وتشتهيه؛ حتى لو فصّلنا وتحذلقنا في أنواعه وأسميناها تعاسة وكآبة وقلق وغيرها من مصطلحات علم النفس الزائف. عُقَدنا وذكرياتنا هي محسوسات، بالبداية نالتها عيوننا وأسماعنا وأجسادنا، ثم اتصلت بهذا الشعور الداخلي، الحزن، الذي حفظها في عقولنا ووعينا كخزّان مشاعر، فصار يكبر بلا توقف، وحتى لو لم تكن لنا عُقد وذكريات مؤلمة، فالعقل لن يتوقف، العقل له ألم وحزن وجودي يخصه، يحدثك عن العدمية وتناقض الغائية، والوَحْدة، ويفترض عليك افتراضات تُفسد لحظة سعادتك المحسوسة، لماذا؟ مرة أخرى لأن هذه طبيعتنا الروحية الواعية.
أين يذهب هذا كله، وأين يغيب؟ هو باقٍ ولا يذهب، لكن الشعور يُقابل بشعور، والفكرة تُخاض بفكرة أخرى، إذ لا يُقابِل الحزن إلا الرضا. الرضا هو السلام الحقيقي الذي يعيشه الإنسان، أن يتعامد منطق عقله على فيض شعوره فيكونا شيئًا واحداً، أن يشعر الإنسان بشيء، فيحلله العقل ويجعله في مكانه مربوطًا معقولاً حتى لا يتفلّت ويسمم كل شيءٍ آخر، أن لا يكون الرضا بالفرض، إذ لا يمكن ذلك، بل هو حالة روحية حقيقية ينتجها “العقل الواعي”، وليس “المخ المُدرِك” الذي لا يفهم هذه الأشياء أصلاً فضلاً عن أن يمنحها. القناعة والقبول أن نسكت ونخرس على هذا النصيب، نؤمن بمعقولية تقسيمته ومنحه، وبفهم السنن، لكن الرضا شيء مختلف تمامًا، راقٍ ومؤدب وكله إيمان، الرضا أن تكون قناعتنا حقيقية وبابتسامة، أن تكون قناعتنا ظاهرة في سلوكنا حين لا نحسد ونحقد وننافق، أن يكون الرضا بفهمنا أن كل هذا الفقد حولنا هو ضرورة لنا قبل أن يكون ضرورة لغيرنا، الرضا أن نجد المعنى لكل شيء.
السعادة يمكن تصنيعها كيميائيًا في أمخاخنا، سيراتونين ودوبامين وأوكسيتوسين وإبينفرين وغيرهم، ويمكن منحها مؤقتاً بمتعة طعام ولذة جنس وبهجة نكتة، لكنها مؤقتة، وحتى وهي تحدث في ذات اللحظة، عقولنا يتمسّكها حزن نحاول تجاهله، يعمل كخلفية الأصوات المزعجة التي يحاول تجاهلها من يرغب بالنوم، لكن الرضا مختلف، يتعايش مع الحزن، يفهمه ويرحمه، يصاحبه ولا يكرهه، يقبله كما نقبل أهالينا وأطفالنا، يُقلِّم مخالبه ويُزاحمه وينال المجلس الأوسع. لذا، السعادة لا يمكن أبداً أن تقلل حزنًا فضلاً عن أن تطرده. مشاعرنا عن الإنجاز والإتقان والنجاح وغيرها، هي ليست مشاعر سعادة، هي لا تجلب أي سعادة، هي تمنحنا شعور الإزاحة، كانت الدراسة همًا مقيمًا وحين نجحنا أزحنا هذا الهم، لكن هم الوظيفة جالس في الجهة المقابلة يدخن وينتظر وهو يبتسم نحوك ابتسامة البلطجي. نحقق ترقية في عملنا، وبذلك نزيح هم شعور الصَّغَار، وأننا الآن صرنا أكبر وظيفيًا، لكن حزن جمع المال الذي جاء مع الترقية والعلاوة سيحضر فوراً، سيقلقك اقترابك من التقاعد، تترقى اجتماعيًا وتُسعد لكنك قلق لأنك أحمق وتتابع السياسة التي لا تفهمها وليس لك كلمة فيها أصلاً، تزيد في معدل طقوسك تصلي وتنفق أكثر لكنك مازلت حزينًا لا يشعر بأي سعادة، هذا هو الخلط الذي نراه لمعاني السعادة بشعور الرضا.

هل قدر الإنسان أن يبقى مكتئبًا تعيسًا يفكر بسوداوية كشوبنهاور وباهنسن؟ لا، لكنها أفهام تُفهم، وقوانين تُعرف.
لم هذا الشعور لا ينفك عنا؟ لماذا هذا الشعور يبقى ويتمدد بداخلنا وكأنه لا ينتهي أبداً! لكن كل شيء مهما بلغ قبحه سيكون هناك جمالاً يطرد سواده، فليس هناك شيءٌ كالرضا، حيث الشعور يُقابل بشعور كما أن الحس يُقابل بحس. تبقى قضية أخرى تُنازِع الحزن وتكبته وهي مرتبطة بالرضا، أتحدث عن الحب.
الحب مجال وليس أساسًا كالحزن، الحزن كما قلت قبل هو أساس وجوهري وموجود بوجود الإنسان ذاته، طبيعة روحية، لكن الحب مختلف عنه، وهو على خصومة مع الحزن كخصومة الداء والدواء. دائمًا لا يُستظهر معنى للحب إلا بمعناه الدارج والمشهور، بمعناه العاطفي الجسدي الرومانسي الذي نراه في القصيدة والرواية والفيلم والقصة المحكية، له ذلك الانطباع التصوري عن اثنين خارقي الجمال وواقعين في غرام بعضهما، هما وسيمان طبعًا، الرجل له ذلك الطابع الفحولي الجذاب والعينان الناعستان وتصرفاته كلها تنم عن تضحية وإيثار وتنازلات لا تنقطع، والمرأة عبارة عن قوس قزح تم خلطه بحديقة زهور فخرجت حورية وهي دومًا مريضة أو معنفة لسبب ما، لكن الظروف تحول بينهما، الحياة تعاديهم كما يعادي رجل المرور الجميع. لكن هل هذا هو الحب فعلاً؟
هل الحب يمكن حصر معناه الواسع بمثل هذا الاستقطاب والتضييق؟ الحب متطيّف وواسع أكثر، يحوي شيئًا أعظم، رغم أني لا أنكر الحب بصفته التي ذكرتها، إذ هو جزء منها، بل وأراها صورة جميلة وحنونة وفيها مسحة صراع حياتي تعجبني، لكن لماذا نحصر الحب في هذا المجال وحده! تحدثنا عن الحزن وأنواعه بشكل مقتضب ومخل، بالكاد لمسنا قشرة فلسفته، وإذا كان الحب مقابلاً له ومُروِّضاً له فلم اختزلناه بصورته هذه التي لا أراها مثالية، بل أعتبرها تجسيداً للحزن ذاته، فمثل هذه النماذج من الحب تُستعذب بحزنها وفراقها ووجعها وهمها.
نفتقد طمأنينة الحب حين نشعر بذلك الحب المفقود، هناك حب لا أحد يتحدث عنه، نشعر به لكن لا ندري كيف نعبر عنه، الحب الأزلي الأبدي، الحب الذي يوجد بنا مذ نفخ الروح بنا، حبنا لله، ذلك الحب المعقد الذي نخشاه جداً ونهابه، ونرغبه ونتيّم به في ذات الوقت. هذا الحب الذي تتفجر منه محباتنا لوالدينا وأطفالنا ومعشوقينا وقبل ذلك حبنا لأنفسنا. علاقتنا بالله، أعلى وأعظم وأتم علاقة، نجدها قائمة على المصلحة والمنفعة، نصلي لأجل الحصول على الوظيفة وبيت في الجنة، ونتصدق لأنهم أخبرونا أن الصدقة تطيل الأجل وتدفع المرض، ونصوم لأنه قيل لنا أن الصائم لا يعطش يوم القيامة، كل هذا جميل، براقماتي وعملي ومصلحي وجميل، لكن أين محبة الله من هذا كله؟ أين ذهابنا له وطاعتنا له لأننا نتطلّع له ونرى فيه انقطاع منتهى الشوق؟
شعور الحب، هذا الشعور الذي يوجد في مجال ندخله ونخرج منه، لم يأتِ بطوعنا أو استجابةً لرغبتنا، هو مُستقى بالكامل من الحب الأصفى، الحب الذي وضعه الله في أرواحنا وجعل قِبلته نحوه، فإذا كانت علاقتنا بالله تشوبها المصلحة والمشروطية، فكيف نتوقع أن تكون علاقاتنا؟ نحن الذين نحقد ونكره ونغار ونحسد وننتقم حين ننال القدرة، هل نجد من يصلي ويصْدُق ويُسبِّح بتمجيد الواحد سبحانه لأنه يحبه فقط، وأن دافعه رغبته في رضاه وحده دون سواه، لا، يجب أن تكون هناك مصلحة ومقابل مادي قابل للمس والشم والرؤية أو على الأقل وعدٌ ما. لماذا يجدِّف كثير من الناس في حال المرض أو الفقد رغم أنهم لا يفوتون فرضًا عن وقته، ويصومون النوافل؟ يظنون أنهم قاموا بالرشوة على أكمل وجه ويعتبرون الضائقة المالية أو المرض أو الموت المفاجئ خيانة لشروط العقد وكأنهم يتعاملون مع شركة تأمين يمكن مقاضاتها!
نتعامل مع الله بعقلية الزبون والتاجر، سأفعل ما أريد من فواجر وخوائن ثم أصلي ركعتين وأصوم يومين وأردد دعاءً أسطوريًا يغفر ذنوبي ولو كانت كزبد البحر! هل ابتعدت عن قصدي؟ لا، لم أفعل، أنا فقط أمهّد الأرض لمعنى الحب نفسه، كيف أننا دومًا نتحدث عن أشياء لا نفهمها فننال نتائجًا لا نقصدها. نتحدث عن الحب المتحدِّر، الهابط، فاقد الاتصال بأرواحنا الإلهية، فنتجه قسراً وبضرورة من ضاع وتاه عن طريق سيره لنتحدث عن شيءٍ آخر، نعم نحن نسميه حُبّاً، لكنه في تفاصيله و”دوافعه” هو غريزة ومصلحة ومحاولة للامتلاء بمشاعر نفتقدها. انظر لسيرتك وسيرتي وسيرة كل أحد، ماذا نفتقد حتى نبحثه في الخارج وفي أشخاص؟ لدينا انتزاعًا مستمراً نحو الشعور بالمركزية، وهذا الشعور يجعلنا نبحث عن الاحترام، الأمان، الثقة، أن نشعر أننا كون متكامل لأحدهم ولا يمكنهم خرق قوانين هذا الكون، لأن هذا الكون يخضع لقوانيننا التي افتجرناها واصطنعناها، هذه القوانين هي التي نسميها “الحب المشروط”.
نزلت أنا من الحديث عن سمو الحب الإلهي نحو حبنا البشري، قلتُ أن الحب هو مجال، تخيله بِركة سباحة أو ممر ضيق ومُجدَّر، أو أي تشبيه سخيف آخر، وهذا المجال نخوضه بعناصر تجذبنا وتدخلنا هذا المجال، حين ننال من هذا المجال اكتفاءً “يرضينا” تقل بداخلنا نبضات الحزن والتعاسة، وأحيانًا وهو الغالب، تزيد التعاسة والحزن بسبب هذا المجال. فالحب يحمل معه بدايته ووعورة وسطه وانفصام نهايته، وهو يحمل معه فجعة الفقد، وخوف الغد، يتحول هذا الحب لكارثة تسحبنا لقاعٍ أسود ومظلم، لكنها كارثة نطلبها بشراهة المدمنين وجرأة المُقامرين. الجميع يتحدث عن الحب، لكن هل نحن نبحث عن الحب فعلاً؟ لدينا جميعًا مخزون كاف وكثير عن قصص حب هي مجرد رغبات مكبوتة ولا تتعدى لذة الالتحام، وأن الحب في بعض صوره هو بحث عن شريك يمنحنا ما لا نجده بالخارج من التوقير والاهتمام والسماع لنا. كثير من قصص الحب والبحث عن الحب هي البحث عن خيال ما صنعناه، خيال اقتبسناه من رواية وفيلم وقصيدة وحكايا خاصة ونريد تقليد هذا الخيال وتجربته. الجميع يدرس ويتخرج ويتوظف ويتزوج… ويعيش قصة حب! أريد هذه التراتبية، لا أريد أن أكون مختلفًا، أريد هذه النار وتجربة الاحتراق بها، ربما أنا أستعذب مثل هذا الألم، لا أدري، المهم أن نجرب ونخوض.
سأتجنب بعمد الحديث عن حب الوالدين والأطفال، وحب الخُلّة، وأتحدث عن الحب الذي يقصده الجميع، لأن الحب حين يأتي لخاطر البال يتجه نحو هذا الحب، حب قيس وعبلة وجاك وروز. نظن دومًا أننا سننال كل شيء في الحياة لأننا فقط سمعنا عنه أو رأيناه عند غيرنا، لا نريد تصديق حقيقة أننا ربما عشنا وعُمِّرنا ونحن محرومون من هذه الأشياء. نظن أننا سنجد صديقاً وخليلاً في هذه الحياة، ليس شرطًا أن نجده، من جعل هذا وعداً مقطوعًا؟ نعتقد أننا سننال أكرم الأهل وأبرَّ الوالدين لأنهم فقط والدينا، من بشّر بهذا وأقنعنا به؟ نريد حُبّاً يملأ قلوبنا ويهز صدورنا ويجعلنا في حالة انشراح مستمرة وكأننا نتعاطى عقارات الهلوسة، من أين جئنا بهذه الثقة أننا سننال هذا الشيء؟
يتحدث النرجسي بإفراط أن الحب يجب أن يكون لا مشروطًا، وأن من يحبني يجب أن يحتملني في كافة أحوالي، ولماذا؟ فقط لأنك تحبني! هذا ليس حبًا، هذا هوس وتعلّق مَرضي ويدل على اعتلال نفسي وأحيانًا انحرافًا جنسيًا لأنه من طرف واحد. الحب معنى، وككل معنى يحتاج لقوائم ومحتويات يمكن بترتيبها وجمعها كلها، أو معظمها، أن نسمي هذا الشيء حبًا. الحب تيار يذهب ويعود، أعطيك فتعطيني، أمنحك ثقتي فتمنحيني سرك، أمنحك نفسي فتمنحيني قلبك، أن أعرف أن من أمامي يبادلني ما أريد لأنه هو نفس ما يريد، متفقان على ما نبغ، متواطئان على ما يريحنا ويعجبنا. يتورط الشخص حين يرى في الارتباط علاجًا، يرى في نفسه الانعطاب فيرمي نفسه كاملاً على من أمامه حتى يصلحه، وحين لا يستطيع هذا الآخر فعل شيء يتداخله البرود والنفور. هذا الشخص المُعتل أراد شيئًا مستحيلاً من شخصٍ آخر ليس بيده عصى سحرية أو تعويذات يقولها فيصلحه! الجميع بلا استثناء مُعتلون بشكلٍ ما، لكن ذلك الانطباع أن دخولي في علاقة حب وارتباط تعني علاجًا فوريًا وشفاءً لحظيًا يدل على سفاهة وعدم نضج، وهو تصرف فيه كل بشاعة الأنانية.

تتداخل حاجاتنا الغرزيّة والجسدية بمشاعرنا، نحاول تغطية شيءٍ بشيء. أحاول إقناع أهلي أني أزورهم لأني مشتاق لهم، نعم هذا صحيح بشكل ما لكني أُخفي هدفًا داخليًا أني أشتاق لتلك الوجبة التي يجيدون صنعها، وأني خففت من فطوري حتى يكون غدائي عندهم بشكلٍ يلذُّ لي، تصرف بريء وفيه مسحة طفولية، لكننا يجب أن نحيط رغباتنا دومًا بشيءٍ سامٍ ومعنى نبيل، أنا هنا لصلة الرحم والسلام عليكم، رغم أن زيارتي يمكن تأجيلها و كان يكفيني أن أقوم بالاتصال. كل نزعة غرزيّة لدينا وخصوصًا الجنس تحتاج لعذر وتأويل لا يتحدث عنها صراحة. سيظل الجنس دومًا مُؤثمًا مُجرّمًا مُبشّعًا في نظرنا وأفكارنا، هذا الشعور تجاه الجنس له أسباب كثيرة جداً ليس هذا وقت التعليق عليها، لكن هذه النظرة الظالمة للجنس، أحد أعظم وأجمل وأطيب مُتع الحياة التي نميل دائمًا لها ونريدها، لكن هناك دائرة غليظة وثخينة وبشعة المنظر تحيط به، دائرة مليئة بالحرام والعيب والاستقذار والتخويف. كيف نتجاوز هذه الدائرة ونقتحمها في لحظة وببطولة الشهداء؟ بالحب! حين أقنع من أمامي أو هو يقنعني بالحب فهذا يعني مباشرةً أن هذا الباب يمكن فتحه بلا عقدة ذنب، لذا نستعجل بالبحث عن هذا الحب، سنفعل أي شيء ونقول أي شيء، وسنكذب كثيراً جداً حتى نعيش تلك اللحظة باسم الحب وباسم أننا مرتبطون وكل شيء نفعله دافعه الوحيد هو الحب فقط!
هذا الذي يحدث بين اثنين حين يكونا لوحدهما له متعة، لكن الحب لو وُجِد سيجعله جنة، هذا الالتحام له سَكْرَة لكن الحب لو وُجِد سيجعله نشوة، هذا الاتصال له غياب لكن الحب لو وُجِد سيجعله فناء.
الحب -بشرط أن يُعاش تبادليًا- ليس أعمى ولا يعمي صاحبه. الحب يفتح عيني روحك على اتساعهما لترى ما كان أمامك طيلة الوقت وكنت قبل معميّاً عنه. الحب يتأكد أن حواسك كلها تتفاعل وكأن هذا الشعور الذي تشعر به طاقة كهربيّة تجعل حواسك تعمل بكل طاقاتها. عندما كنت تنظر ببلادة للسُحب وهي تمطر ولا تشعر بشيء، الحب يجعلك تتأمل، تتفكر، تتذكر، تخطط. الشعر والكلام الذي كنت تعتبره سخيفاً ومبالغاً فيه عن الورود والعطور تعيد النظر فيه وتصدق بأنه شيءٌ حقيقي قاله أناس شعروا بشيءٍ ما لم تكن تفهمه حينها. هذه الوجبة التي مللتها أو لا تستطعمها تصير على مستشعرات لسانك ألذ ألف مرة، وتجد نفسك قد ازداد وزنك. أذنك مع الحب تسمع الموسيقى والأغنية لأول مرة، وتتعدى أذنك لتتحرك داخلك وكأن الحب ملعقة تحرك السكر في فنجان جسدك فيصير كل شيء فيك مقبولاً مستساغاً. حتى ملامح وجهك تتفاعل معك وتصبح ابتسامتك مختلفة وكأن هذه الخطوط التي تتشكل على وجهك تم رسمها بيد فنان يعرف أين يضرب ريشته بالضبط، وكانت هذه الخطوط سابقاً خطوطاً عبثية وعشوائية. ثم هنالك ذلك النور الذي يغشاك حرفيًا وتصبح تسمع أكثر من مرة بأنك متغير، وبأنك أجمل. تشعر بأن هناك أشياءً جميلة وراقية تنبت في داخلك. نظرتك للحياة تصبح متفائلة، تحب الجميع بلا استثناء، وتتمنى أن تعيش أكثر. الحب ليس من هنا، ليس من حياتنا، لم يوجد في هذه الدنيا. الحب جاءنا كقطعة إلهية لتجعلنا نستشعر قيمة هذه الأرواح التي تتلبسنا، وتذكرنا بأننا شيء جميل.
هدف الحب كله أن نصل لتلك النهاية العظيمة والجميلة، الشعور بالأمان، أن أضمن بأن ظهري ليس مكشوفًا، وخبيئتي ليست معرَّضة للمحاكمة أو السخرية أو الخزي. أن يمتلئني يقينٌ أن هذا الشخص لن يخذل أملي فيه رغم عذري له بمحدودية قدراته، وأن أعلم أن أيامي معه تحوزها سِعة الوصول، فيغمرني شعورُ من وَجَد، وتحويني عاطفةُ من صُدِقَ في الوَعَد. أن أجد نفسي ودون شعور مباشر أنني فعلاً أتعافى من شروخ كثيرة، وهذا التعافي مُتبادل، كأنهما يمنحان بعضهما مُضاداً لتلك السموم الموجودة في نفسيهما، مضاداً يأخذ وقته ودون ملاحظة فورية أو حدِّية، لكن الأثر حين أخذ راحته وتمدد في زمانيته صار واضحًا مبينًا. أن يتحول الحب لفكرة بعد أن استنفد كل أحاسيسه الجسدية من النظر والسماع واللمس والشم، أن أعرف بأن بغياب من أحب عن عيني وأنفي إلا أني في داخلي انتظار الموعود بالوصول، تتسربني طمأنينة عجيبة وهادئة أني مكتفٍ ولا أريد شيئًا آخر، لأني “رضيت” وهذا “الرضا” صار يكتم الحزن ويكبته، نعم الحزن موجود، لكنه ضعيف ويفقد قوة وسوسته، وبشاعة وحدته.



الحب له معجزة تخصه حين يجعلك تستسخف كل شيء في الحياة لأنك فعلاً لم تعد تريد شيئًا، تصير حالك إن جاء الشيء فمرحبًا وإن لم يأتِ فلحيث ألقت! هل تذكر شعورك حين كان هدفك هو الحصول على الشهادة؟ أيام السهر والقلق والخوف والرعب، والآن تستذكر تلك الأيام ببرود وضحك واستسخاف، كذلك الحب يفعل ذلك، تغدو الحياة بمن فيها مكاناً نستغرب فيه من عصبية الناس ونزقهم وميلهم للعداوة، تصير عداواتك وقتها كلها أخلاقية وقِيميّة، لكن عداوات المصالح المادية تذوب للأبد، نعم تبقى رغبة لها لكنها رغبة كسول وعاجزة وفاقدة للياقة المطاردة.
وهل كل شيء له وجه آخر يجب أن نتفكّر فيه؟ نعم، وهذا الشيء نجده في شيء آخر، في المعاصرة والمعاركة، الذي كان جميلاً هو مغامرة الحب، اكتشافه، المشاعر الأولية له. ولأنه كان جزءً مُفارقاً للحياة الرتيبة المملة فهذا يجعله يمنحنا شعوراً رائعًا. سحر البدايات، حيث كل شيء بِكر ومليء بالدهشة والتلميحات وانشغال الذهن بطاقة جميلة على وعد التمكين منها لاحقًا. الاستقرار بعد ذلك، يجعل الحب يتصرف بطريقة أخرى، هو لا يقل، لكنه يصير من ضمن يومنا، يتم مزاحمته بالحياة الواقعية التي تحتاج مكابدة. يتحول الحب من شعور صِرف ويتحول لتصرفات عملية، تتحول الكلمات لأفعال، أبيات الغزل تصير صبراً وتحملاً لإنسان مثلنا نكتشف أنه ليس خارقًا أو مصنوعًا من شمع معطّر. الحياة لا تفهم السهولة، ولا تتعاطى معها، هي تضرب فقط لأن هذه طبيعتها. الحب الحقيقي يمنح الحياة الواقعية صبراً وجمالاً، يعمل كالموسيقى الخلفية لمشهد جاف وممل لا يمكن مشاهدته بدون هذه الموسيقى.
كل نماذج الحب في الشعر والرواية تنتزع عنصر الحياة وتُقدِّم فقط الحب بلا مقدمات. تقدس الحب الصِرف ذاته وكأنه نبت هكذا، وسيستمر هكذا للأبد. الوجبة اللذيذة التي نراها تُقدم أنيقة على طبق، مغفلةً عملية الطبخ ذاتها، وعملية الهضم بعدها. الاستقرار معًا يعني رؤية الحياة كما هي، رؤية مصارعة العيش، وتحمل كبر السن وخفوت الطيش والحماسة، أن تعرف أن الحياة بها ذلك العنصر اللعين، الملل. من أحبوا بعضهم ثم عاشوا معًا، ستدخل بينهم الحياة، وستزاحمهم بحضورها ومتطلباتها، من تصور غير ذلك فهو لم ينضج ويفهم بعد كيف تسير الحياة. من بردت مشاعرهم بعد أن استقروا معًا هم أناس لم يحبوا بعضهم، هم أحبوا فكرة الحب ذاتها، وأحبوا المغامرة، وقلدوا شيئًا قرأوه أو سمعوا به، وبحثوا عن شيء لا وجود له إلا في خيالهم. لا يمكن تعريف الحب ووصمه، لكن كلما كانت حياتك أسهل وأخف وقعًا مع من تحب، فأنت فعلاً مغرم به. أن تعيش مع إنسان يجعل كل شيء آخر في الحياة مُحتملاً فهذا يعني أنك رابح وكسبان.
حياتنا هي رحلة بحث عن الحب، كل الحب، فهو الشعور المطلق. يترقّى هذا الشعور بزيادة الرغبة به، لكن الحاجة أحيانًا تخلق طرقاً مُضلِّلة، واليأس يعبث مراراً برؤيتنا بمنحنا عمى عن مشاهدة ما يفوتنا. لهذا السبب أتحدث عن ما هو الحب في نظرنا، كيف نفهمه ونعرفه، كيف نعي الحب الشعور، ونفرَق بينه وبين رغبة الإحساس.
تولّى الحب العناية بنا منذ صغرنا رغم عدم إدراكنا لحجمه، كان يأتينا في صورة رحمة مجسّدة، وهل أدلَّ شيءٌ على الحب إلا الرحمة؟ نحن مفتونون بهذا الحب ولا نريد له انقطاعًا، نريده دومًا ولكن لأن الحس تدخّل في الشعور ورغباتنا نضجت بما فيه الكفاية فصارت لنا شروطًا نريدها. الشعور يصدِّقُه الحس، والحس يدل على الشعور، لا يمكن فصلهما، ولا يمكن تأنيب ضمير الحب برغبة الحس، إذ لا يمكن قياس منتهى الحب إلا بالحس، ولو لم يُعبَّر عنه لمات حتمًا. انظر للأم التي تحتضن طفلها وهي تشُمُّ شعره، هذا الافتتان بالحب الذي صار رحمةً مطلقة لم يكن ليكون لولا هذا الحضن وهذا الشم والكلمات التي تخرج مخلوطةً بدعاءٍ ومدائح وتعابير مودة. لا أفصِلُ لحظة بين الرحمة والحب، وإن تواجدت الرحمة بلا حب إلا أن الحب لا يمكن تواجده بلا رحمةٍ تغذيه وتسبغُ عليه فضائل هذا الشعور.
قضية الحب الأساسية، ولعنته الأبدية، أنه شعورٌ مُدرك، شعوراً عرفناه منذ قدومنا لهذه الحياة، ذقناه واستلذ لنا التغمّس فيه، فصرنا نطلبه طيلة الوقت. لكن الحب كشعور فهو يسير مع الزمن، الزمن يعمل كمنظِّم، كأمين مكتبة يحرص على ترتيب أرشيفه، ينقُل الزمن حبك الأولي بين والديك وعائلتك ليخبرك أنه صدر بحقه قرار تكليف ونقل لجهة أخرى، إنسانٌ آخر، حُبُّكَ لن تطاله الطمأنينة والرضا إلا بطرفٍ آخر، قانون الحياة يعمل هكذا ولن تصنع استثناءً لأجلك، ومن هنا تبدأ رحلة أخرى للبحث عن حب متفرِّد له شروط نختارها، واحتياجات نريدها.
يتطور حُبُّنا، ينمو ويزداد، لكن الخوف يتدخل هذه المرة، أين سنجده؟ وإذا وجدناه فهل هو حب صادق وصافٍ أم هو حب مُستعجل توهّمنا واقعيته؟ لستُ مؤيداً للنظرة المتشائمة والاحتياطات السوداوية التي نظنها جزءً من الواقعية، بل أُصدِّق دومًا أن يرتاح الإنسان لشعوره، وأن لا يستغرق في انهماك تأويلاته التي لن تنتهي أبداً. يتحدث شعورنا عما يريد فنمشي معه، لكن الصدق يجب أن يتدخل هنا، ضرورته تحمينا وستحمي غيرنا من التورط معنا، أن نصدُق فيما نريد. أن نعرف فعلاً ماذا نحتاج وأن لا نجعل الحب عذراً لنيله. لا توجد قيمة نبيلة وحياة كاملة إلا وتداخلتها المنغصات والنواقص والأنانيات، لكن هل نحاول فعلاً أن لا نؤذي وأن لا نسمح بأن نُؤذى؟

لم أكن سوداويًا ذا قلبٍ مريض حين قلت أنه ربما عشنا ومتنا ولم نجد صداقةً أو حبًا (الحب بمعناه الذي نقصده هنا) لكني أقصدُ تمام الرضا مما نجِد، أن تتغمّرنا أُنسات الحب وترزقنا بطمأنينة سعينا لها كثيراً. الحياة قانونها يقوم على الضرب والصفع والإرهاق والمكابدة والخذلان وتحطم الأحلام، لكني مؤمن بوجود الجمال، بوجود الحب، بوجود عالمٍ نوراني في هذه الحياة، وهذا العالم هو ما يهذِّبنا ويمنحنا الأمل ويدُلُّنا على رب هذا العالم، منتهى الحب والجمال.
الحب شعورٌ مترقٍّ، شعورٌ لديه قدرة خارقة على النهوض والتحسين والتجميل في عالم مليء بالقباحة، من لم يرى هذا الشيء فهو لم يحب حتى وإن كان مرتبطاً يكتب القصائد طيلة الوقت، بل هو سيخوض هذا العالم بكل ألمه وفواجعه ولكنه راضٍ هادئ رزينٌ تتسنّمه وقارات الجمال والحب، سيقابل الحياة برأسٍ مرفوعة، وأَنفة عالية. من قال بأننا لن نُفجع أو لن نتألم حتى بوجود الحب؟ بل هذه هي مُفارقة الحب القاسية، أنه يحمل ألمه المضني معه، هذا هو ثمنه وتأمينه، أنه يأتي بمقابلٍ شرسٍ وقاسٍ. يأتي الحب بخيال الفقد والنزع، لكن الرضا في داخله يخبرك بوقارٍ وتجلٍّ أن تستمتع بهذا الشعور، استمتع بالحب ودع الزمن ولا تحمل همه، يخبرك الحب بسرِّه “دع الزمن لوقته” يريدك الحب أن تُعمِّر نفسك من حُسنِ روحك.
أفهم تمامًا رعب الحب، ذلك الخوف المفزع أننا لن نناله، وأننا ربما تحصّلناه لكن هناك شيء ما خاطئ لا يجعلنا نشعر بما توقعناه. الحب شعور من آلاف المشاعر التي ألفناها ومارسناها في صغرنا، وتجاربنا هناك في الصغر شكّلت لنا مناظير ومفاهيم كيف يجب أن تكون مشاعرنا. هي فروضات لم نخترها، لهذا تختلف مفاهيمنا لهذه المشاعر وكيف نريدها وبأي طريقة. نحن دومًا جوعى نبحث عن إشباعٍ ولكن لكل واحد منا حميته الخاصة.
ا.هـ

