دَعْهُ، ولن تناله أبداً! – مُقَيْل

قال الإنسان:

«عندما لا تهتم تأتيك الأمور راكعة»

«أن تترك ليس يأسًا بل وعيًا، أن لا تكترث، فاهدأ، وسيأتيك كل ما هو لك، دون أن تُناديه.»

وقال الله:

(وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى) النجم- نفي جازم أنك لن تنال شيئًا بلا سعي.

(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر- تقرير بأن الإنسان مُحاسب بما يكسب ويفعل.

(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة- إثبات الحركة والسعي أنهما من طبائع النفس، والنفس هنا مشترك لفظي للحديث عن الهوية الإنسانية.

(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) الليل – التيسير والمكافأة و”العاقبة” لا يُتَمّونَ إلا بالعمل والسعي. 

كنت ولازلت مؤمنًا أن الإنسان يصنع قدره، يتدخل في تشكيل مصيره، لا ينالُ شيئًا إلا بعد أن بذل وسعه وأنفق من جهده. الحديث عن الترك ليأتي طواعيةً بنفسه لا يبدو منطقيًا فضلاً أن يكون عمليًا. وهو يخالف صراحةً روح القرآن والقوانين والسُنن الإلهية والطبيعية؛ مِن خلْق الأسباب وارتباطها بالنتائج.

التصوّف نزعة روحية موجودةٌ بنا، هناك من يستدعيها ويُفعِّلُها وهناك من يهملها، وهي طريقة روحية لا نفسية؛ مهما حاول علم النفس الزائف تصويرها كقدرات نفسية خارقة أحيانًا أو غامضة. التصوّف طريقة فردية بشكلٍ تام، لا يختلف لحظة عن الدعاء؛ الذي هو مخ العبادة وألصقها بروح المؤمن وعلاقته الخاصة بربه، له تفرّد وجداني، قوته في سيرة صاحبه، لا يمكن اكتسابه وتقليده لأنه ببساطة ليس عبادة فعلية وحركية حتى نقلِّدها أو نتلقاها بالتواتر الطبقي، بل هو شيء غائر في دواخلنا، ولا يمكن فهمه بطريقة متماسكة وواعية بشكل كامل، مما يجعله مستحيلاً للتصدير نحو وعيٍ آخر. لا يمكن تماس روحين بطريقة صوفية أو عرفانية.

لماذا أقول هذا الكلام؟

حين نقرأ لابن عطاء الله السكندري، أو عبدالحق بن سبعين، وغيرهم، سنلاحظ مأسسة التصوف وجعله منهجًا أكاديميًا، تحويله من تجرد روحي فرداني يُكتسب من تجربة المؤمن الفردية وتطويرها، نحو طريقة يُظن أنه يمكن تعلمها بالقراءة ومصاحبة المهتمين بها. يشبه الأمر أن تقرأ فقط فتظن أنك نلت تجارب الحياة واكتسبتها لتصبح خبيراً حكيمًا يكتب عنها في الروايات، أو تُشاهد لوحات بكثافة وتتحدث عنها مع مهتمين بها لتستطيع بعدها أن تنال عين الفنان وبصيرته التي رسمت ورأت. هذا الذي جعلني أفرّق بين عبادات الأفعال وعبادات الروح الباطنية. القراءات في التصوّف لها ترقيق “نفسي” غايته تهذيبها، لتعمل “الروح” بعدها بطريقتها الخاصة دون تقليد؛ إذ لا يمكن المُطابقة. يمكن تقريب ذلك بملاحظة ذلك الطالب المجتهد والمتفوق، أو التاجر الصادق الذي لم يرث ريالاً وصنع نفسه، أو الموظف الذي شق طريقة بلا واسطة أو استزراع في المنشأة، وغيرها، فتكون مثل هذه النماذج مُرقِّقة لنظرتنا، مُحفِّزة لجهدنا، فيكون سعينا بعدها مستقلاً بطريقتنا. 

حركات وأفكار التصوف “الجماعية” تُعارض طبيعة الإنسان المكرّمة المحفوظة على طول الخط بل وعرضه، تتعارض مع رغبته بالتملّك والسعي والمنافسة، تُشعره بتفاهة الحياة، وأن الزهد مكسبٌ غال لا يناله أي أحد، بينما هذا التصوف الذي يدعي اتصاله بالله والدين يُعارض صريح الوحي الإلهي كما ذكرت في البداية. 

جميع الآيات تتحدث عن السعي والكسب، وأن الإنسان لن ينال شيئًا أو يُحاسب عليه إلا بعد سعيه وكسبه، فإذا كانت الأشياء تُنال بالترك المتزهِّد فكيف سيُحاسب عليها الإنسان؟ بمحاسبته على طريقته في التعاطي معها؟ وكيف جاءته أصلاً! البيانو الذي يسقط من السماء على رأس أحدهم لا وجود له في الواقع، هذه خيالات ويليام هانا الذي كتبها للسخرية والضحك.

هل إذا مرضت سأكتفي بالجلوس ليجيئني العلاج؟ هل سندخل في الجبر؟ أو سأمارس تأثير البلاسيبو بطريقة عكسية فأُشفى فوراً؟ أم أن القضية كلها تدور حول الماديات والأموال والرغبات؟ هنا يتناقض “التعميم” ويفقد سيطرته بما يُذهِب عن هذه القضية تماسكها. الواقع يكذّب التنظير دائمًا، وأكثر المبشرين بهذه الطرق الزُهديّة هم أكثر الناس أموالاً وأشدهم شراسةً في الوجاهة الاجتماعية، لكنك دومًا ستجد أولئك المنعزلين، الهادئين، قليلي الكلام، الذين إذا تحدثوا وجدت كلامهم مطابقًا لسيرتهم، لا يحفظون الحِكم العطائية، ولا إنسان عبدالكريم الجيلي الكامل، ولم يسمعوا قط عن الطريقة الشاذلية أو القادرية أو الكركرية، أو كل الطرق “الأعجمية” التي استغلق عليها فهم روح الوحي كما أُريد له؛ فرديًا وخلاصًا روحيًا خاصًا، بلا تقليد ولا اتباع ولا “مأسسة”، بل هم صادقون وأمينون.

المأسسة تحتاج لهرميّة، والهرمية لا تتماسك إلا بنماذج وتشريعات وتقليد ورقابة وسيطرة، وأموال طبعًا، لهذا السبب حين دخل التصوّف في هذا الطريق صار مؤسسة مادية بحتة، بل وتمارس السياسة أحيانًا. المناهج المتصوِّفة بشكلها الجماعي لا يمكنها النمو بلا محتوى، ومحتوى التصوف يأتي بمثل هذه الأفكار المُعادية للحياة ومُتع الحياة؛ بكل ما في الحياة من مُتع ولذائذ. يستحيل قرآنيًا أن تأتي آيةٌ أو حتى إشارة لما يقف ضد الإنسان وغرائزه المخلوقة به والموضوعة فيه، بل يأتي بتهذيبها، ويُحكِم تصرُّفها، ويقوِّم اعوجاجها، فهو ذات القرآن الذي وصف المال بأنه خير (إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ) البقرة. علمًا أن جميع التجمعات الصوفية الممأسسة يتم فيها جمع الأموال باسم التبرعات وخدمة الأضرحة الخ يصير المال هنا ركنًا رئيساً، وهذا المقال عمومًا ليس مخصصًا للتعليق على الصوفية المُؤسسة.

لا أرى في الترك توكلاً، بل عجزاً وبلادة وضعفًا يتظاهر بالتقوى والقناعة والاستقلالية، سلوك سلبي لا توجد به أي قدرة لبناء الحياة القائمة على المُدافعة والكَبَد، بل هو نظام نفسي اتِّكالي، تتضخم فيه أوهام الاستحقاقية وإن ادعى العكس، مُعتمِد على غيره في الفعل، ليبقى هو ينتظر ما يأتيه من عمل غيره. هي خليط من معتقدات الطاوية ومثاليات البوذية، والتي جاءت الرأسمالية الكلامية بشعوذاتها مثل كتاب السر للنصابة الاسترالية روندا بيرن؛ لتزيد في الطنبور نغمة وتمنح مثل هذه الأفكار طابعًا حداثيّاً مُعولمًا ويلبس الكرفتة، الكتاب بستين ريالاً، وطبعًا هنا يجب أن تصنع استثناءً وتذهب لشرائه أو طلبه، وبعدها تعود لسياسة الترك والتخلّي بعد أن منحتها مالك، لأن الكتاب ومحتواه الهرائي لن يأتيك من تلقاء نفسه مهما عزمت على تركه.

وكيف سيكون لي ما لا أسعى له وأتمسّكُ به؟ الخطابيات ككلمات جميلة رصفًا ووزنًا، لكنها في الواقع تناقض نفسها، تُعامِل الكون كخادم مهمته تحقيق خيالاتنا، خيالاتنا التي نشأت من السعي والحركة ابتداءً، وتُحبط التربية الروحية بناءً على عجز النفس ومُشاكَلتها.

“دعه وسيأتيك راكعًا مخبتًا يرجو ودك ورضاك”

جميلة مثل هذه العبارات، تنال قبولاً وتسليمًا وتنتشر بكثافة لأنها تُغازِل العجز فينا، وتمنح حرماننا عزاءً، تحاول إقناعنا أننا فعلاً لا نريد هذا الشيء! لا يؤمن بها إلا المحروم واقعًا والذي لا يخسر شيئًا حين يصدِّقُها، لكنه حين ينال شيئًا فهو يعَضُّ عليه ولا يتركه فضلاً أن يمنحه لغيره.

لا عيب في الطلب، ولا مذمّة في السعي، ولا معرّة في الرفض والحرمان، بل هذا هو معنى الحياة ذاتها.

اهـ