الشعور أكبر دومًا من الكلام وأعمق وأعقد، نحن نعبّر بكلماتنا وألفاظنا البسيطة، حتى لو كانت ألفاظنا بها جزء معقد يشرح شيئًا من شعورنا؛ فمن أمامنا لن يفهمنا. القضية ليست تزويق الكلام وتزويره وتحسينه، بل يدور كل شيءٍ حول المعنى، نقل الشعور كما هو، نعلم باستحالة ذلك، لكننا نجرِّب، كل كلام الدنيا والأشعار والأغاني والروايات هي محاولات لتحقيق هذه المعجزة.
يستحيل أن نعبّر عما نشعر به، كلامنا دائمًا عبارة عن اتجاه، إشارة، دلالة على الشعور فقط، لكنه لا يشرحها كما هي تمامًا أو يُخرجها من أنفسنا كما نرغب ونريد. أنت حزين فيكون كلامك المرتبك غير المنظم دلالة اتجاه على شعور الحزن، لكن شعور الحزن الصافي فيك يستحيل استخراجه بألفاظ، أو استنطاقه بكلمات. ألفاظنا؛ من أمامنا لن يستقبلها كما خرجت منا، لأنها تخرج منك بشفرتك وهي قطعة منك تحمل بصمة روحك؛ من أمامك لا يقدر أن يتلاءم معها أو يفهمها، لكننا نحكي لبعض ونسمع لبعض لمحاولة “التفهّم” ولحاجتنا لإخراج هذا الشيء من داخلنا قبل أن يزيد احتراقه بنا، محاولة للإطفاء والنفخ عليها بتعاطف ما.
ألفاظنا وليدة تجاربنا، كل كلمة نعرفها نربطها بتجربة وذكرى فتكون مقياسًا لما نريد الحديث عنه، لهذا اخترعنا مصطلح “تعبير” لأنه يعني حرفيًا نقل وعبور ما بالباطن للخارج بواسطة الكلام والألفاظ. مهما حدثتك عن شيءٍ ما فكل كلمة مني تحمل صورةً في عقلك تخصك، صورة ربطتها أنت بذكرى وتجربة خرجتَ منها بشعورٍ خاص بها، هذا الشعور يلتئم معك وحدك دون سواك، وحتى لو تشاركنا هذا الشعور فهو مشاركة التقارب وليس التطابق.
لو قسنا شعور الحزن، الفرح، الإحباط، الحب، الحماس، الشوق، الندم، الخذلان، أو أي شعور آخر داخلنا، سنجد استحالة في نقله وتعبيره للخارج، وتعبيره هنا تفعيل عبور أننا نعبر بهذا الشعور للخارج، الشعور الغامض الذي لا نعرف كيف يمكث بنا؛ نريد منحه كلمات وأصوات وملامح تتفاعل معه، نصنع له هوية خاصة وأن يكون له زمن كذلك يخصه، استيلاد ونشوء، نريد له أن يُسمع ويدخل حيّز الذكريات حين نتحدث عنه. نوع من المضاربة والمُعاركة الصعبة تتم في داخلك حتى يتم تمريره للخارج، كأنها قضية اختلاف لغات ووجود مترجم غير متقن لمهنته ولا يقوم بعمله بشكل صحيح ولا يفهم كيف يمرر الكلام من طرف لطرف؛ لكن كلا الطرفين يحاولان.
شفرة الكلام تحمل كل معاني التلميح، ومهما بدا الكلام فجًا صريحًا فهو في النهاية مجرد تلميح، ملامسة لقشرة المعنى المختبئ، للشعور الكامن، الكلام مهما ظهر واضحًا فهو منغمس بالكامل في شيء غامض نسميه النيّة، هذه النية التي لا نعرِف من أين أتت؛ أَنتجت إرادة وهذه الإرادة ترددت بسبب إرادة أخرى لا نفهمها، لنجد أنفسنا نتحدث بأوزن الألفاظ وأبدعها، ولكن بمعانٍ لا أحد يستوعبها كما هي، وبمشاعر ستبقى دومًا عييّةً على الإفصاح.


تربكنا طبقات النفس، حين تحدِّثُ النفس نفسها، وكأن ذاتك انفصمت؛ لكن كل جزء منفصم يحمل وعيك كاملاً بلا انتقاص، تتحدث عن نفسك وتلومها، ما الجزء فيك الذي يلوم نفسك؟ وحديثك عن نفسك كطرف ثالث من أين أتى؟ الأصوات داخلك والتي تتبادل الاتهامات، من أين جاءت وأين تذهب؟ تجد صعوبةً في الحديث مع نفسك ذاتها، يحيّرك جوهرها وقدرتها على التناسخ والتمدد والتكاثر داخلك واحتفاظها بلياقتها الروحية رغم التعدد، لكنك تريد أن يفهمك من بالخارج؟ الذين هم كذلك تربكهم طبقات أنفسهم!
نستشعر حزنًا مشتركاً، أو بهجةً مُشاعة؛ حين نستمع لموسيقى تُحرِّك مشاعر الجميع، الكل يتفاعل معها، لكننا لا نعرف لماذا، لا نعرف لأن تفاعلنا تم في طبقاتٍ مختلفة، لا أحد يقف بجانب الآخر أو يراه، نسكن جميعًا هذه البناية لكننا محاطون بجدران تفصل بيننا؛ وتمنحنا خصوصية لا نريدها مشاعة رغم اشتراكنا في المكان والزمان، أبعاداً روحية. هذه الأشياء التي تستنطِق دواخلنا من الخارج كالموسيقى والرسومات، وجدت فينا تلك الثغرة فنفذت منها، كان الدخول سلسًا سريعًا سهلاً مؤثراً كالطعنة، لكن إخراج ما شعرنا به بسببها لا نملك أن نُظهِره إلا بالكلام الذي يحمِلُ إعاقته داخله. يرتجُّ الكلام علينا ونتلعثم ونتأتى لأن طاقة الكلام لا تناسب حرارة الشعور، يفتقدان عدل الموازنة.
هذا الشعور بالعجز، جعلنا نتبادل التعبير بيننا بلغاتٍ أصعب، نختار الشعر والنص المتحذلق والموسيقى والرسم، نريد أن نتحدث فقط.
لا نجيد الاستماع لأننا لم نُجِد الحديث أصلاً.
ا.هـ


